الصفحة 317 من 384

أما المركب العقلي فكقول أمرئ القيس يصف الحلي (( حليي المرأة ) ) [1] :

كأن على لباتها جمر مصطل ... أصاب غضًا جزلًا وكف بأجزال

فقد تفنن أمرؤ القس في ترتيب ليخرج منها بمركب عقلي لصورته المعنية وهي الصفة اللونية بين الحلي الحمراء والحجر المتقد وذكر أنه غضًا وأبقى لاتقاده، ثم جعله جزلًا ليكون أشد لوقوده، واعظم لنوره مكفوفًا بالأجزال وهي أصول الشجر زيادة في المبالغة [2] . لتتم الصورة جمالًا في هذا التشبيه البليغ بما عكسه من إضافات للمعاني أنست المعاني الأصلية فيها.

وترتكز هذه التسمية (عقلي) وهذه الصورة في الأمثلة في حسنها وبلاغتها على طرفي التشبيه فيها، فحين تعرض الصورة الخيالية بحسية تظهر بلاغتها في ذلك التشبيه والمبالغة في وصف وجه الشبه، قال أبن رشيق: (( التشبيه الحسن هو اذ يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانًا ) ) [3] . وهذا ما قاله أبن سنان ايضا الذي ينظر إلى ذلك التشبيه البليغ من زاوية الفصاحة وفيه (( يشبه الغائب الخفي الذي لا يعتاد بالظاهر المحسوس المعتاد فيكون حسن هذا لأجل إيضاح المعنى وبيان المراد ) ) [4] . وهذا بديهي فمن دون فهم المقصود من أي شيء لا يشعر بجماليته حتى لو قدم على نحو عجيب.

ومن قبيل ذلك قوله تعالى: {وله الجوار المنشئآت في البحر كالآعلام} [5] .

فقد شبه القران الكريم الفلك بالجبال إبرازًا لعزتها ومنعتها، وقدرة الخالق في تسخير الأجسام العظام في أعظم ما يكون من الماء، فجاءت المبالغة في وجه الشبه بين الطرفين تفخيمًا لصنعه وخلقه عز وجل زيادة على ما فيها من إيحاء بالملكية التامة المهيمنة على كل الأشياء.

(1) ديوانه: 152.

(2) ينظر: قراضة الذهب، أبن رشيق: 27.

(3) العمدة: ج1/ 287.

(4) سر الفصاحة: 235، وأسرار البلاغة: ج1/ 234.

(5) سورة الرحمن: آية 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت