وللدلالة الثانوية عند ابن الأثير نصيب آخر في موضع سماه (في الترجيح بين المعاني) ولأن هذه الدلالة تستند إلى التأويل، قال فيها: (( وهذا الفصل هو ميزان الخواطر الذي يوزن به نقد درهمها ودينارها، بل المحك الذي يعلم منه مقدار عيارها، ولا يزن به إلا ذو فكرة متقدة، ولمحة منتقدة، فليس كل من يحمل ميزانا سمي صرافا، ولا كل من وزن به سمي عرافا ... .. ) ) [1] .
وصحة تفهم المعنى وتحليله تقع في الخاطر اللماح الذي يمكنه ربط اللوازم اللفظية وتتبع معانيها ليصل إلى المراد منها، لهذا يعد جانب مهم من الدلالة.
ومثل [2] لهذا الباب بترجيح بين معنيين مجازيين في قرب أحدهما من الدلالة الثانوية أكثر من الآخر في قول أبي تمام [3] :-
قد بلونا أبا سعيد حديثا ... وبلونا أبا سعيد قديما
ووردناه ساحلا وقليبا ... ورعيناه بأرض وجميما
فقد حملت كلمتا ساحل وقليب معنيين إضافيين على المعاني المعجمية لهما وهما شاطئ البحر والبئر: فالدلالة الأولى عني بها الكثير والقليل، والدلالة الثانية السبب وغير السبب (( فإن الساحل لا يحتاج في وروده إلى سبب، والقليب يحتاج في وروده إلى سبب ) ) [4] ورجح ابن الأثير الدلالة الثانية تناسبا مع قصد الشاعر في مدحه وما أوحت به من تحمس الشاعر وانفعاله في تكريم الممدوح.
ولدى ابن الأثير تقسيم آخر تظهر بالدلالة الثانوية للمعنى في الترجيح بين المعنى الأصلي، وما يرد في سياقه من قرائن، أو ما يشير إليه من محذوفات قد تكون هي الدلالة الثانوية، فيكون الترجيح بين تمام المعنى أو تقديره، ومناسبته لمعنى تقدمه، أو تأخر عنه، أو عدم مناسبته، والترجيح بين معنيين لشيء خارج عن اللفظ، وتحت هذا الترجيح فروع:
(1) المصدر نفسه: ج1/ 40.
(2) المصدر السابق: ج1/ 42.
(3) شرح الصولي لديوان أبي يمام: ج2/ 402.
(4) ينظر لسان العرب مادة (سحل) و (قلب) والبارض: اول ما تخرج الأرض من نبت وزهرة متنوع اجناسه. الجميم: النبت اذا عم وطال وانتشر اشارة للقلة والكثرة فيها.