الصفحة 295 من 384

آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس، وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام وبلوغ الثقة فيه غاية التمام، كما قالوا، ليس الخبر كالمعاينة )) [1] .

وفي جملة الجرجاني الأخيرة (ليس الخبر كالمعاينة) تنبيه على حقيقتين مهمتين: هي أن التشبيه عملية وصف فإننا أحيانًا نصف أشياء قد نجمع أجزائها في مخيلتنا ولكن حين ننظر إليها حقيقة نراها تختلف عما ركبناها عليه ولكن بالأجزاء نفسها، والثانية أنه ليس المطلوب من التشبيه مجرد وصف الأشياء بذكر أشياء مقابلة تشبهها. وإنما المقصود الوصول إلى حالة من الامتزاج الوصفي الفني تصور تشبيه ذلك المشهد.

وعلى هذا النحو طور الجرجاني نظرة أسلافه إلى جودة التشبيه، وأضعف من المقياس الذي كان سائدًا بينهم، وهو التزام عملية الجمع بين شيئين أو أكثر، وهو ما مهد به الطريق كي يفرق بين التشبيه والتمثيل والتشبيه البليغ.

ولم يختلف السكاكي (626هـ) عما ذهب إليه الجرجاني فيما يخص التشبيه حين وضع له المقاييس الخاصة به، اذ قال في التشبيه الحقيقي: (( إن النفس لما تعرف أقبل منها لما لا تعرف لمحبتها العلم طبعًا. وذك أن يكون المشبه به غالب الحضور في خزانة الصور بجهة من الجهات، كما إذا شبهت الشعر الأسود بالليل، أو الوجه الجميل بالبدر، أو المحبوب بالروح ) ) [2] .

وتمركز صفة المشبه به الغالبة في الذهن هي الوجه المهم في عملية التشبيه إذ تمثل الوجه الجامع لكل جزيئات الشيء الحامل للصفة الغالبة.

ولهذا ذهب السكاكي في معيار آخر حدده للتشبيه يشبه ما ذكره الجرجاني عن الصورة التشبيهية الممتزجة، أو ما سماها السكاكي (مجملة) في قوله: (( إن إدراك الشيء مجملًا أسهل من إدراكه مفصلًا. ومنها أن حضور صورة شيء تتكرر

(1) أسرار البلاغة: ج1/ 234.

(2) مفتاح العلوم: 580.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت