ومعنى يتخبطه الشيطان أي يخبطه، والخبط الضرب على غير نظام، كخبط العشواء قال الزمخشري: والعرب (( يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع ... والمس الجنون ورجل ممسوس أي مسه الجن فاختلط عقله وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن ورأيت لهم في الجن قصصًا وأخبارًا وعجائب وإنكار ذك عندهم كإنكار المشاهد ) ) [1] . فحال الجنون هي المقصودة في التشبيه لان هذه الحالة معروفة في التدهور والضياع.
والصورة الحسية هي المحور في التشبيه الحقيقي الصريح الذي يستقطب إليه المعاني الخيالية والنفسية لتتحول إلى مشاهد حقيقية بالتشبيه تلتزم فيها الألفاظ بمعانيها المركزية فلا يفهم منها غير معناها (الصريح) كما سماه الجرجاني [2] .
وهنا مثلت الدلالة المركزية مصدر الحياة الفنية، والأصل الأساس حتى لبعض الصور التي تدخل فيها الوجهة النفسية والخيالية وذلك (( وصولا لأصول الفن القولي عنده بأصول الحسن الفني الموجود في إدراكه الذوقي البلاغي ) ) [3] .
وهو ما أشار إليه أبن الأثير (637هـ) بقوله: (( وأما فائدة التشبيه من الكلام فهي أنك إذا مثلت الشيء فإنما تقصد به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبه به، أو بمعناه ) ) [4] .
ومن ذلك كله اتفقت آراء البلاغيين في التشبيه الحقيقي ولم يختلفوا عما ذهب إليه أبن رشيق كما سبق منها، قال أبن سنان (466هـ) : (( ومما يحتاج إليه شدة التشبيه أن يكون الأمر المشبه به واقعًا مشاهدًا معروفًا غير مستنكر، ليوافق ذلك المقصود بالتشبيه والتمثيل من الإيضاح والبيان ) ) [5] .
وقال الجرجاني (474هـ) : (( إن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي وتأتيها بصريح بعد مكني، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء
(1) الكشاف: ج2/ 245.
(2) ينظر: أسرار البلاغة: 83.
(3) ينظر: البلاغة عرض وتوجيه وتفسير، محمد بركات حمدي أبو علي: 153.
(4) المثل السائر: ج2/ 104.
(5) سر الفصاحة: 244، 290.