الثاني، والثالث أوضح من الرابع، وما يدركه الإنسان في نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في لجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف )) [1] . فمن ذلك قول الشاعر:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى وذوب العسل
يعل به برد أنيابها [2] ... إذا النجم وسط السماء اعتدل
فدلالة التشبيه في قول الشاعر واضحة مأخوذة عناصرها من البيئة العربية إذ من المعتاد حين يريد الشاعر تشبيه شيء من حبيبته بشيء آخر يأتي بأحب الأشياء في حياته فيجعلها مشابهة لها. فقد شبه طيب ريقها بما ذكره من الخمر (المدام) ، وصوب الغمام، وريح النبت المعروف لديهم وحلاوة العسل وذلك كله هو مستعمل ومحسوس ومعروف ذوقه، أو أثره في الاستعمال لدى الناس.
وأنه جعله مع وقت الليل الذي أشار إليه (بتوسط النجم السماء) وهو وقت بارد من الليل أي حلاوة وبرودة جمعت الطعم العذب في ريقها.
وتلك هي البلاغة في التشبيه التي يريدها البلاغيون إذ لا يقصد من التشبيه الجمع بين طرفين فقط وإنما تجسيد ما في المشبه به بالمشبه كما في المثال السابق حين جسد الشاعر مشاعره وخواطره بما هو معروف ليكسب ما يريد من خلال التشبيه قوة وصدقًا في المعنى.
وحدد اين طباطبا العلوي (322هـ) الغاية والفائدة من التشبيه بقوله: (( أعلم أنك إذا أردت تشبيه الشيء بغيره فإنما تقصد به تقرير الشبه على جميع وجوهه من مدح وذم، أو ترغيب، أو ترهيب. وتراد للإيجاز أيضًا، والاختصار في اللفظ، وتراد للبيان وللإيضاح ) ) [3] .
(1) العمدة: 1/ 287.
(2) المدام: الخمر. وصوب الغمام: مطر السحاب والخزامى: نبت طيب الرائحة، يعل: يمزج، وبرد أنيابها: ريقها وهنا وقع أسم كأن مشبهًا به في لمعنى وهو كثير. ومعنى البيتين أنك تظن برد أنيابها قد مزج بهذه الأشياء، لأنه يشبهها العمدة: 1/ 289.
(3) الطراز: ج1/ 243 - 274.