الصفحة 291 من 384

يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل

والطباع ما ركب في الإنسان من جمع الأخلاق (( فتجده قد خرج في أحسن صورة، وتراه قد تحول جوهره بعد أن كان خرزة وصار أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئًا ) ) [1] . فالدلالات عند الشاعر لها قيمة ويحرص على إلباسها أدق لفظ.

ومن الأمثلة القرآنية أيضًا قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} [2] .

فهي تصوير نفسي للتنقل وعدم الاستقرار، والطمع، وعدم القناعة والتشكك فيما هم عليه -أي جماعة بني إسرائيل التي قيلت على لسانهم الآية- إلا أن هذه الطباع أي طلب التغير والتنوع في كل شيء هي من الغرائز الإنسانية المعروفة، وقد بينتها الآية في حب النهم لدى البشر ولا يكتفي بلون واحد من الطعام، وكأن الكلمة (لن نصبر) هي التي حكت هذا الطبع، وأنكرت القناعة بالشيء الواحد. (فواحد) هنا إنكار وطمع لروح الصبر والكفاية التي لا توجد إلا في نفس المؤمنين. والقرآن الكريم كله حقيقة سواء عبر عن حالة عامة، أو خاصة. لذلك يتحسس الإنسان معانيه.

وذكر البلاغيون الحقائق بالألفاظ المباشرة وميزوها أيضًا بأسلوب (التشبيه الصريح) [3] الذي يشير إلى المعنى الأولي ويوضحه بذكر حالة مشابهة واضحة مقاربة للمعنى على نحو ملحوظ لأن التشبيه سيكون مما هو متعارف ومألوف بين الناس بأن يكون مدركًا بإحدى الحواس الخمس، أو أمرًا عقليا راجعًا إلى الفطرة. وشرح أبن رشيق (456هـ) ذلك بقوله: (( إن ما تقع عليه الحاسة أوضح في الجملة مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب؛ فالأول في العقل أوضح من

(1) دلائل الإعجاز: 276.

(2) سورة البقرة: آية 61.

(3) التشبيه الصريح: عرفه البلاغيون بقولهم: (( هو الإخبار بالشبه، وهو اشتراك الشيئين في صفة أو أكثر، ولا يستوعب جميع الصفات ) ). الأقصى القريب، التنوخي: 41. أو (( هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى بالكاف ونحوه، أو هو الجمع بين الشيئين أو الأشياء بمعنى ما بواسطة الكاف ونحوها ) ). الطراز: ج1/ 263.

أو (( هو صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة أو جهات كثيرة، لا من جميع جهاته، لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه ) ).. العمدة: 1/ 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت