فالمعاني التي تروى في كتمان السر وحفظه تشير إلى الأمانة في الطبع وحفظ الآخرين في أمور معنوية تهمهم أكثر من الماديات وإلا لما أصبحت أسرارًا مخفية يكره ذيوعها عند غير المؤتمن ويروى عن أعرابية بالبادية قولها:
ويوم كإبهام الحبارى لهوته ... يقمعه، والواشون فيه تحرف
بلا حرج إلا كلام مودة ... علينا رقيبان التقى والتعفف
إذا ما تهممنا صددنا نفوسنا ... كما صد من بعد التهمم يوسف [1]
فألفاظ هذه الأبيات ملتزمة بمعانيها الموضوعة لها المألوفة الاستعمال فيها. وتتحد معها الفكرة العرفية ذات الدلالة الاجتماعية التي تحملها مفردتا (( التقى والتعفف ) )في كلام عاشقين وبذلك تؤكد (( عذرية هذا الحب ) )وأتخذ مثالًا لهذا (( عفة النبي يوسف عليه السلام ) )وأغراض النظم التي تحمل (( معاني متعارف الأوساط ) ) [2] كما سماها السكاكي كثيرة غير هذه في الشعر العربي، وبها تأكد معنى قولهم: (( إن البيان إنما يجري في غايته، إلى ما تعاهده الناس من الطبيعة ومن الناس ) ) [3] .
وعلى الرغم من أن هذه المعاني مأخوذة من المجتمع وطباعه لم يقل أحد أنها تحمل دلالات عامة في أسلوب بياني حتى تمثلت في تلك الأشعار وتحددت بتلك الأغراض المعروفة وما ذلك إلا لأن كلام الناس المعتاد يكون كما قال عنه الجرجاني: (( كذلك سبيل المعاني أن ترى الواحد منها غفلًا ساذجًا عاميًا موجودًا في كلام الناس كلهم ) ) [4] أي بلا أوجه بلاغية فنية.
وذكر لذلك مثالًا (( تنظر إلى قول الناس: الطبع لا يتغير، ولست تستطيع أن تخرج الإنسان عما جبل عليه، فترى معنى غفلًا عاميًا معروفًا في كل جيل وأمة ثم تنظر إليه في قول المتنبي:
(1) الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني: ج14/ 166.
(2) مفتاح العلوم: 133.
(3) في المرآة، عبد العزيز البشري: ص11 طبع جريدة المصري، القاهرة 1948م.
(4) دلائل الإعجاز: 276.