ودلالات هذه الأمثلة المذكورة بينة واضحة حتى أصبحت أغراضًا عامة نقلت معاني مفرداتها المركزية من جيل إلى جيل فحفظت وشاعت حتى أصبح تصور المعنى بديهيًا وهذا ما عول عليه البلاغيون في دراسة المعنى في الدلالة المركزية، إذ أن تصور المعنى مباشرة هو ما بنيت عليه نظرية النظم البلاغية و (( ليس من عاقل يفتح علين قلبه إلا وهو يعلم ضرورة أن المعنى في ضم بعضها إلى بعض وتعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن ينطق ببعضها في أثر بعض من غير أن فيما بينهما تعلق، ويعلم كذلك ضرورة، إذا فكر، أن التعلق يكون فيما بين معانيها لا فيما بين أنفسها، ألا ترى أنا لو جهدنا كل الجهد أن نتصوره تعلقًا فيما بين لفظتين لا معنى تحتهما لم نتصور ) ) [1] .
وتلك هي عملية حصول الدلالة المركزية مع الشيوع والعامل المؤثر في عملية الفن البلاغي فيها ضمن النصوص الأدبية، أو الأدبيات الشعرية، وبهذا فالمعنى المركزي المعتمد على العقل يصبح منتظمًا منطقيًا. وهو ما نبه عليه الجرجاني وأشار: (( إلى أصل من أهم أصول الوحدة المنطقية، فقسم للعقل مكانًا في العمل الفني، وجعله هاديًا لوحدة النسق في ترتبه على صورة تتلاءم وقوى الإنسان العاقلة والمتذوقة ) ) [2] .
ومن هنا كانت صفة الشاعر البليغ أن يحرص على التفهيم على قدر الأذهان في هذه الدلالة بتقريب المعنى للمتلقين.
ومن القيم المعنوية التي أخذت حيزًا في التفسير الأدبي، كتمان السر، ومن جيد ما قيل في ذلك:
تلاقت خيازيمي على قلب حازم ... كتوم لما ضمت عليه أصابعه
أوافي رجالًا لست أطلع بعضهم ... على سر بعض أن قلبي واسعه
والمثل السائر:
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق [3]
(1) دلائل الإغجاز: 416.
(2) ينظر: المدخل إلى دراسة البلاغة العربية، السيد احمد خليل: 58.
(3) ديوان المعاني: أبو هلال العسكري: 2/ 49.