المعنى المركزي لأسباب نفسية. ومن أمثلة (( الاستيحاء النفسي ) ) [1] ما استدركه النقاد على البحتري في قوله:
ضحكات في إثرهن العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده
فالبرق في هذا البيت هو الضحك، والرعد هو العطايا. قال الآمدي: (( فأقام البرق مقام الضحك، والرعد مقام العطايا، وإنما كان يجب أن يقيم الغيث مقام العطايا لا الرعد ... .. ) ) [2] .
فالغيث كونه ينزل من السماء بعد البرق ويحي الأرض بالزرع فقد استقر لديهم معنى مركزي هو العطاء وليس الرعد وهو الصوت الهائل الذي يظهر معه ضوء البرق الذي استوحى الشاعر منهما موقفا نفسيا غيرت لديه ما يدل عليه العطاء إلى القوة والرهبة والسيطرة. فالعطاء هنا معنوي.
واستدركوا على المرار وصفه الخال بالبياض أي عكس المتعارف عليه من لونه. أما الأسود أو البني، إذ قال:
وخال على خديك يبدو كأنه ... سنا البرق في دعجاء باد دجونها
فلم يوصف الخال لديهم إلا بلونه المعروف -لكن حين تفرد الشاعر وصف الخال غير لونه بما أحسه في روحه فمثله ببياض البرق، إذ لا تقارب بينهما إلا في تصوره وشدة إعجابه بمنظر الخال في خدي الموصوف، لهذا عده قدامة من عيوب المعنى ومخالف للعرف حين قال: (( فالمتعارف المعلوم أن الخيلان سوداء وما قاربها في ذلك اللون والخدود الحسان إنما هي البيض وبذلك تنعت فأتى بقلب المعنى ) ) [3] .
ومما أنكره النقاد على أبي تمام قوله واصفا الحلم:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... يكفيك ما ماديت في أنه برد
فقد وصف أبو تمام الحلم بالرقة انعكاسا على ما رآه أثر تعامل الحليم مع الناس برقة وصبر، أما ما يبدو على الحكيم فهو العظيم الرجحان والرزانة وهذا الذي
(1) ظلال المعنى: 74.
(2) الموازنة: 37.
(3) نقد الشعر: 203 وينظر الموشح، للمرزباني: 362. وينظر: الصناعتين: 96.