الصفحة 270 من 384

ما فيكون من استنباطه والقسم الثالث -الذي شرح نوعه- هو المعنى الذي يقال فيه إنه ندر وعدم نظيره )) [1] .

وحقيقة أن كلام القرطاجني ومن قبله العسكري ناتج عن فهم عميق لتكون هذه الدلالة وطبيعتها فمع تمحور الفنان الذاتي في هذه التجربة يطرح الصدق الفني بقدرته على صياغة معنى تجربته، أو الإحساس بتجربة غيره التي يبينها بالدلالة الهامشية التي تخللها الفنان بدافع نفسي قد تأثر به وأثر فيه، وهذا ما يجعل ظلال المعنى في النتاجات الأدبية قليلة أو نادرة نسبة إلى غيرها من المعاني غير الخصوصية وعلى هذا الأساس جعلها القرطاجني في المرتبة الثالثة من المعاني.

وقد ترد الفكرة نفسها في المثالين السابقين لدى كثير من الناس بالدافع ذاته بأن يبقى العاشقان بمفردهما وقتا طويلا، أو يرتاح العاشق من تعب حبه، لكن الشاعرين بملكتهما ارتسماها بصياغة مبتكرة للمعنى فأختص كل معنى بصائغه للتفاعل الفني الذي تحقق بدافع التأثر النفسي الصادق مع الفكرة، أو التجربة الحقيقية. وهو ما يعرف بـ (( الخيال الشعري ) )الذي قال عنه كولردج: (( هو الذي يذيب ويلاشي ويحطم لكي يخلق من جديد، وحينما لا تتسنى له هذه العملية فإنه على الأقل يسعى إلى إيجاد الوحدة، وإلى تحويل الواقع إلى مثالي. في حين ان الموضوعات التي يعمل بها هي موضوعات في جوهرها ثابته لا حياة فيها ) ) [2] .

ولكي يعيد الفنان إليها الحياة بخياله الحر أصبح لزاما عليه خروجه عن المدلولات الحرفية لمعاني المفردات والأفكار العامة. وهو ما تمثل لدى النقاد في المؤاخذات على الشعراء لمخالفتهم ما عرف بالعادة لدى العرب والذي سموه (( مخالفة العرف ) )وبينوا من خلاله منهجين الأول ما تناولناه في الدلالة المركزية، وهو الذوق العربي العام في معانيه المستقاة من مجتمعه المعروفة في طريقة تناولها، بخلاف المنهج الثاني الذي يعتمد على الصياغة الخاصة للحالة الشعورية بتناول غير معروف يستوحي فيه الشاعر من الكلمة، أو المعنى العام معنى آخر غير

(1) منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 192.

(2) . كولردج: 156.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت