كان مستحيلا ومخالفا لما هو معروف ومرغوب فيه - (( فالشاعر يحدث له ذلك لأنه يستغرق في تجربته، والكشف عنها هو غايته، ونظره إلى جمهوره ثانوي ) ) [1] .
وتتصاعد هذه الرغبات الحرة لدى أصحابها في دواخلهم ليتبناها الذهن ويعكسها -وإن حصلت بشذوذ الفكرة ومرارتها- كالشاعر الذي تمنى موت حبيبته ليرتاح من تعب حبها الذي أصابه، وهذا ما لا يتوقع من حبيب مع حبيبه، إذ قال جنادة [2] :
من حبها أتمنى أن يلاقيني ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
لكي يكون فراق لا لقاء له ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها
ومع أن الحب بينهما كان سببا لأمنيته تلك والذي يعرف أنه سيصاب بأقسى درجات الهم وهو اليأس من داخله لأنه قال (( تضمر النفس ) )أي لا يرتاح بتنفيسه فيخف عذابه لموتها ويتحمل كل ذلك لينساها. وبهذه المعاني خالف الشاعران المعروف عن المحبين وكلامهم برقة، وتودد وتصريح، أو إيحاء بالمشاعر العاشقة للحبيبة، والتغزل والجمال والدعاء لها بطول العمر ليبقيا في رفقة دائمة، أو تمني فدائها ولو بالروح.
وموقف المبدع في هذا الدلالة هو تمحور ذاتي حوله نفسه يحول الحقائق الموضوعية إلى حالات نفسية خاصة يتأملها من كل جوانبها فيخرج بصورة،، أو تمثيل يستلب الحقيقة المعروفة بمخالفتها من الأصل. ولا يعني تمحوره الذاتي نسيانه العالم الخارجي، بل تفرد في مسلكه الأدبي [3] .
وقال القرطاجني في المعاني الهامشية حين صنفها في القسم الثالث: (( ومنها -أي المعاني- ما لا ارتسام له في خاطر وإنما يتهدى إليه بعض الأفكار في وقت
(1) المدخل إلى النقد الأدبي الحديث: 348.
(2) الصناعتين: 82
نقلا عن النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال: 461.