أما العسكري فذكر (( الدلالة الهامشية ) )-شرحا لا تسمية- في أول تحديده لضربي المعاني حين قال: (( والمعاني على ضربين: ضرب يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون له إمام يقتدي به فيه، أو رسوم قائمة في أمثلة مماثلة يعمل عليها. وهذا الضرب ربما يقع عليه عند الخطوب الحادثة، وتنبه له عند الأمور النازلة الطارئة ) ) [1] .
أكد العسكري خصوصية هذا المعنى من أنه ابتكار خاص بمبدعه، من دون معلم له، أو تقليد لمعنى تقدم عليه، لذلك يعد تفردًا في النتاج. وشخص دوافعه بالنفسية من خلال قوله (( عند الخطوب الحادثة، أو الأمور النازلة الطارئة ) )أي بسبب ما تحدثه من ثورة نفسية في صاحبها تكون نتيجتها لدى الفنان نصوصا أدبية تحمل في طياتها ظلال معاني تلك الثورة النفسية.
ومما مثل به العسكري قول كثير عزة [2] :-
ألا ليتنا يا عز من غير ريبة ... بعيران نرعى في خلاء ونعزب
كلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب
نكون لذي مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلا هاج أهله ... إلينا فلا ننفك نرمى ونضرب
فقالت له عزة: لقد أردت بي الشقاء الطويل.
من المؤكد أن تمني كثير هنا ليس هو الفكرة الحقيقية في عقله وإنما هذا هو ما يسمى (ظل الفكرة الأصلية) والمعنى الهامشي الذي أوصى به إليه إحساس العاطفة لديه من إرادة لقاء حبيبته دون صعوبة وخوف، بل بالعكس تمنى أن يكونا كالبعيرين الأجربين لكي تبتعد الناس عنهما خوفا من مرضهما، وهذه أمنية لا يرغبها أي شخص لكن لشدة رغبته في لقاء حبيبته الذي يمنعه أهلها والعادات والتقاليد جعله يذهب بفكره بعيدا ليجد منفذا يحقق به أحلامه وهو مجال (( ظلال المعنى ) )-وإن
(1) الصناعتين: 75.
(2) الصناعتين: 82 والموشح، المرزباني: 156.