في مثل هذه الأبيات كونها من المعاني التي يمكن الاختلاف في عرضها لتنوع أساليب البيان.
قال الآمدي: (( وإنما السرق يكون في البديع الذي ليس للناس فيه اشتراك ... ، أو اختراع الذي يختص به الشاعر ) ) [1] .
ولا يحسن الأخذ، أو (( السرقة ) )في مثل هذه المعاني إلا بشروط حددها حازم القرطاجي في حديثه عنها قائلا: (( أما المعاني التي قلت في أنفسها، أو بالإضافة إلى كثرة غيرها فما كان بهذه الصفة، فلا تسامح في التعرض إلى شيء منه إلا بشروط: منها أن يركب الشاعر على المعنى معنى آخر، ومنها أن يزيد عليه زيادة حسنة، ومنها أن ينقله إلى موضع أحق به من الموضع الذي هو فيه ) ) [2] .
وهذا وجدناه في ما سبق من أمثلة [3] . وقد اشترط القرطاجني هذه الشروط في هذه المعاني لأنها لا يمكن حدها في إطار محدود ويمكن فيها بناء دلالة على أخرى، ومحاكاتها من جهات مختلفة لتعلقها بأسباب مختلفة.
(( وهذا ما جعل اللغة الشعرية في الوقت نفسه تختلف عن غيرها من حيث إن كلماتها ترقى إلى المستوى الجمالي الذي لا يبلغه سواها، ومن ثم كان تمييز الدلالة الشعرية عن الدلالة التي تقتصر فيها اللغة على الإشارة إلى الأشياء أمرا واجبا ) ) [4] .
وبعد الذي تناولته من كشف الدلالة الثانوية في فروعها المجازية المختلفة لدى النقاد وما يمكن أن تظهر فيه من مجالات أخرى لديهم، نصل إلى أن طبيعة اللغة نفسها تظهر على نحو حتمي إن اختيار الكلمات يتضمن اختيار الموقف، اختيار نوع من التركيب الذهني الذي يشاهد الشيء من خلاله، أو يستوعب بوساطته، أو يفسر بالرجوع إليه. لأن اللغة مهما تبلغ مرونتها لا يمكن -وهي طبيعة تمتاز بها- أن يكون لديها تصوير حيادي للشيء، إذ لا بد أن تلتزم فيها أسلوبا واحدا أثناء تأدية المعنى الذي هي فيه [5] .
(1) الموازنة:288.
(2) منهاج البلغاء، وسراج الأدباء: 192، 216، 219.
(3) وتناولنا مثل هذا في ما سبق من البحث، يراجع فيه المبحث الأول من الفصل الثالث: 48 - 52.
(4) الشعر واللغة، لطفي عبد البديع: 5.
(5) ينظر: اللغة في الأدب الحديث: 93.