الصفحة 263 من 384

لا يستطيع يزيد من طبيعته ... عن المروءة والمعروف إحجاما

فأخذه أبو تمام فكشفه وأحسن اللفظ وأجاد فقال:

تعود بسط الكف حتى لو أنه ... دعاها لقبض لم تطعه أنامله.

فتعبير أبي تمام عن المعنى استعمل فيه الكناية عن كرم الممدوح حتى جعل ذلك فيه طبيعة تعود عليها (( فبسط الكف ) )كناية عن كثرة العطاء والتي تعني الكرم، فأصبح حتى لو يريد جمع قبضته لم تطعه أنامله لتعوده على فتحها من أجل العطاء، فصور أبو تمام المعنى نفسه لكن بأسلوب أعطى انطباعا أقوى عن كرم الممدوح وأكثر من قول مسلم بن الوليد الذي عبر بأسلوب مباشر.

ومن ذلك قولهم: (( واضع المعروف في غير أهله كالمسرج في الشمس والزارع في السبخ ) ). وأخذه الشاعر ومثله في البيت:-

ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاق الذي لاقى مجير أم عامر [1]

ففي قولهم الأول جاء المعنى صريحًا، ثم أبرزوه بصورة التشبيه الذي يعمل خيرا لغير مستحقه كالذي يضي وفي النهار فلا ينتفع من ضيائه والذي يزرع في الأرض المالحة فتقضي على غرسه ويذهب تعبه هباءا وخسرانا.

فأخذه الشاعر بالفكرة نفسها إلا أنه جعل جزاءه (( أي صانع المعروف لغير أهله ) )إيماءً. بجزاء مجير أم عامر ولا بد أنه جزاء معروف في هذه القصة كما يقال (( جزاء سنمار ) ). أي جزي بغير الخير الذي فعله.

وقد يتتابع المعنى الواحد عند عدة شعراء، ومن ذلك قول يزيد بن مفرغ:

العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الملامة

أخذه من الصلتان الفهمي إذ قال:

العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الإشارة [2]

ففي البيتين كناية في الشطر الأول منهما عن طريقة معاملة العبد بالقسوة، والشطر الآخر يصرح فيه عن طبعه الحر بطيب المعاملة. وأكثر ما يكون السرق

(1) البيان والتبين: 2/ 1109.

(2) البيان والتبين: ج3/ 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت