الصفحة 261 من 384

ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل

وهذا القول للفرزدق [1] يخاطب به جريرا وتأويله أن بيت جرير في العرب كالبيت الواهي الضعيف، وقوله وقضى به الكتاب المنزل: يريد قول الله عز وجل: {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} [2] .

وهو ما يدخل في باب (( التعريض الخفي ) )الذي لاحظوا انشراح النفس له فموقعه (( كموقع البشرى عند صاحبها لثقة الفهم بحلاوة ما يرد عليه ) ) [3] .

وجعلوا من هذا الباب (( الوحي ) )وهو الإشارة إلى الشيء بغير لفظه كقوله:

جعلت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق

فقوله: (( جعلت يدي وشاحا له ) )إشارة بديعة بغير لفظ الاعتناق وهي دالة عليه )) [4] .

ومن الأفضل أن تقول هنا، بأن ذلك ليس غموضا، بل اخفاء للمعنى الحقيقي وإظهاره بثوب أجمل وتمثل ذلك في كل ما سبق من أنواع الفنون المجازية.

وقد علل الدكتور علي عبدالواحد وافي الغموض في الشعر بقوله: (( إن الغرض الأساسي من الشعر هو الإيحاء بالحقائق والاحساسات، لا شرح المسائل وتقريبها إلى الأذهان ولذلك يظهر فيه تعمد الغموض والميل إلى الإبهام، ويسيطر على أساليبه الخيال ويكثر في عباراته التشبيه واستعمال الكلمات والعبارات في كثير ما وضعت له ) ) [5] .

ويترتب على ذلك كله أن الحالات الشعورية للإنسان متنوعة كتنوع هذه الفنون واحتياجاتها فمرة تكون الحالة الشعورية محتاجة إلى الوضوح والمباشرة وأكثر ما يكون في مواقف الجد وذكر الحقائق كما لاحظنا ذلك في الدلالة المركزية، ومرة في حالة أكثر مرونة تسمح بمداعبة المشاعر وتحريك الذهن ومشاركة التخيل والعواطف مع الفكرة الحقيقة وهنا تحتاج إلى شيء من التميز عن سابقتها ببعض

(1) الموشح: 162.

(2) سورة العنكبوت:41.

(3) عيار الشعر: 17.

(4) حلية المحاضرة، الحاتمي: 1/ 138 - 139.

(5) علم اللغة، علي عبدالواحد وافي: 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت