الصفحة 260 من 384

(( الغيث ) )، كذلك بنو الرجاء لهم بنو العباس يكفونهم أمرهم )) [1] . والغموض الذي يشير إليه الآمدي هنا يقصد به، هو أن البيت الأول كالحكمة، فهي بعيدة عن قصد المدح الذي خرج إليه أو تشبيه المديح الذي قاله في بني العباس بتلك الصورة الربيعية. أي ليست بالأبيات المباشرة المعاني، وربما لاستعمال أبي تمام التشبيه من دون الأداة اعترض الآمدي.

ومما اعترض عليه الجرجاني من شعر أبي تمام أيضا قوله:

فكأنما هي في السماع جنادل ... وكأنما هي في القلوب كواكب

فقد علق عليه: (( فتغلغل في التصعب كيف قدر، ثم لم يرض بذلك حتى أضاف إليه طلب البديع، ولم يرض بهاتين الخلتين حتى أجتلب المعاني الغامضة، وقصد الأغراض الخفية ... .. فصار هذا لجنس من شعره إذا قرع السمع لم يصل إلى القلب إلا بعد اتعاب الفكر، وكد الخاطر، والحمل على القريحة ... .. وهذه جريرة التكلف ) ) [2] .

وقد عمم الجرجاني في قول له ذلك الغموض في كل أبيات المعاني، أو التي تحتاج إلى تفكر إذ يقول: (( وليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم، أو محدث إلا ومعناه غامض مستتر ولولا ذلك ... .لم تفرد فيها الكتب المصنفة، وتشغل باستخراجها الأفكار الفارغة ) ) [3] .

وهذا تعميم يحتاج إلى استدراك، فالمعاني المباشرة في أبيات المعاني أو التي تخلو من وسائل تلطيف عرض المعاني لتحمل ظلالا أبعد وأثر في النفس، لا تحقق ما في داخل الشاعر أو الأديب من طموح فني معنوي يعكس خياله بالبعد المقصود لذلك نجد هناك تفريقا بين الغموض المبهم والغموض المحبب الذي يولد معاني تحمل في طياتها إيماءً لطيفا، فمن ذلك ما يدخل في باب الإيجاز المليح كقول الفرزدق:

(1) الموازنة: 317.

(2) الوساطة: 19.

(3) المصدر نفسه: 431.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت