ومن مواضع الخطأ التي ذكرها العسكري قول كثير [1] :-
وإن أمير المؤمنين برفقته ... غزا كامنات الود مني فنالها
قال العسكري: (( جعل كثيرا أمير المؤمنين يتودد إليه ) ). وقد قصد أبو هلال العكسري المعنى الصريح يتودد لكي يعبر به عن معنى كناية كثير (( غزا كامنات الود ) )وقد خطأه العسكري لأن الحاكم أعلى منه مرتبة. إلا أني أقول إذا دققنا النظر قليلًا نصل إلى أن المعنى الذي يريده كثير أبعد من ذلك، فالدلالة الثانية كنى عنها كثير بكناية دقيقة، فكثير يتحدث عن نفسه وكامنات الود منه قصد بها دواخله لا ما يظهره من محبة خارجية بقوله، أو تصرفاته تقربًا للأمير، فهو متقرب للأمير بلسانه، أما بداخله فقد تمكنت محبة أمير المؤمنين بصدق من إحساسه الداخلي لتعطفه ورفقه مع كثير لا لضعفه ويؤكد هذا المقصد أن كلمات (( أمير المؤمنين، وغزا ) )تدل على القوة ورفعة المرتبة وبهذا يصبح ما ذهب إليه الشاعر.
ومثل ذلك قول زهير [2] :
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا [3]
وعدها العسكري من الخطأ في المعنى من خلال تعليقه قائلًا: (( ظن أن الضفادع تخرج من الماء مخافة الغرق ) ) [4] . ومن الطبيعي حمل معنى هذا البيت على الحقيقة يعد خطأ، إذ ليس من المعقول أن يعتقد الشاعر في خروج الضفادع من الماء خوف الغرق فهي أصلًا تعيش حينًا في الماء وآخر في اليابسة، بل أتى بهذه الاستعارة لتلطيف المعنى لمخالفة أصل الحقيقة، وإنما هي تخرج لغرض وضع البيض من المؤكد أن الشاعر يعرف أن الضفادع لا تخشى الماء، وإنما أراد غرضاَ معنويًا جميلًا عبر عنه في المجاز.
ومحاولة استشفاف المعاني الثانوية من هذه المآخذ تجعلنا ندرك (( أن أول شيء يهم الفنان هو أن (( يجسد ) )في نتاجه التجربة المعنية التي تتوقف عليها قيمة
(1) الصناعتين: 81. والموشح، المرزباني: 144.
(2) ديوانه: 40.
(3) الشربات: جمع شربة وهي حوض صغير يتخذ حول أصل النخلة فيرويها. والطحل: الكدر ويريد الجذوع جذوع النخل.
(4) الصناعتين: 78 والوساطة: 10، والموشح: 47.