الصفحة 198 من 384

وبلاغة التشبيه في الإبانة وتوكيد المعنى تأتي في الأوجه الأربعة التي ذكرها العسكري لجعل التشبيه بليغا: (( وأولها إخراج ما لا تقع عليه إلى ما تقع عليه الحاسة والوجه الثاني إخراج ما لم تجربه العادة وثالثها إخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها، والوجه الرابع إخراج ما لا قوة له في الصفة على ما له قوة فيها ) ) [1] .

وجميعها تخرج المعنى إلى الأوضح، إذ أن توكيده بحسن التأليف وجدته التي هي المقدار البليغ المضاف إلى الأصل ألزم تحليله -أي المعنى الثانوي- لأنه أصبح شكلا وبابا لاستحصال حقيقة المعنى الأساس وهو الوضوح الذي يخرج إليه التشبيه البليغ.

ولتأكيد المعنى في التشبيه البليغ هنا وعدم استحصاله إلا بالتدبير لاحظ القاضي الجرجاني أن بعضهم يخلط بينه وبين الاستعارة. قال: (( وربما جاء من هذا الباب ما يظنه الناس استعارة وهو تشبيه، أو مثل، فقد رأيت بعض أهل الأدب ذكر أنواعا من الاستعارة عد فيها قول أبي نؤاس:

والحب ظهر أنت راكبه ... فإذا صرفت عنانه انصرفا

ولست أرى هذا، وما أشبهه استعارة ... .. ، فهو إما ضرب مثل، أو تشبيه شيء بشيء )) [2] .

فللمبالغة في صفة التمكن من الحب شبه أبو نؤاس الحب بالظهر المركوب توكيدا لذلك التمكن فبرز لفظ (الظهر) كأنه استعارة في البيت لتمكن المعنى في ذاته.

ومن التشبيه البليغ أيضا قول امرئ القيس في تشبيه قلوب الطير التي تعد من الأمور الغامضة وأخرجها إلى حيز الوجود بما يوضحها منه، حتى إنهم ذكروا أنهم لم يروا في التشبيه كقول امرئ القيس [3] :

(1) الصناعتين: 246 - 248.

(2) الوساطة: 41.

(3) الحيوان: 3/ 52 - 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت