الصفحة 199 من 384

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى ركرها العناب والحشف البالي

إذ أن تشبيه امرئ القيس قد تقدم فيه المعنى الذهني غير المكشوف حتى بلغ فيه إلى مستوى رفيع بليغ في التشبيه الذي عد من المجاز بإظهاره بما شبهه به من العناب الأحمر، والحشف البالي المتيبس بقلوب الطير في حالتين مختلفتين عند اصطيادها فهو زيادة على ما وضح من الهيئة واللون والجمع بين تشبيهين عكس حالة نفسية في شيء حسي قريب منها، وهذا ما جعل البيت محلا لإعجاب كثير منهم [1] .

ومن أبلغ التشبيهات ما ورد في القرآن الكريم فمنها ما جاء على جهة إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة كقوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} [2] . جمع بينهما معنى الانتفاع بالصورة [3] .

ومنها ما جاء على جهة إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما يقع عليه: وهو قوله عز وجل: {والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} [4] . فالآية الكريمة بمنتهى الكمال من الدقة في التصوير واستيفاء المعنى تعقد الحالة المعنوية الأولى (الدعاء غير المستجاب) عبر عنها بتشبيه من الواقع بصورة من يكاد يشرب الماء وليس بشاربه مع أن الماء في يده وقريب من قمة زيادة على ما فيها من إيحاء الصورة بالحكمة الإلهية في منع الشرب عقوبة صارمة في حق الداعي من غير الله ذات أثر مؤذ وبعيد في النفس. فللجمع بينهما في معنى الصورة عدت مجازا في التشبيه والذي حصلت به الإبانة والتوكيد للمعنى البليغ الذي ورد في الآيات الكريمة آنفا.

وهذا ما ذكره العسكري: (( التشبيه يزيد المعنى وضوحا ويكسبه تأكيدا ) ) [5] .

وبذلك سيكتسب المعنى الإضافي بزيادته تلك تعريفا أكثر حتى يطغى على الأول ويصبح أكثر شهرة وربما ساوى الدلالة المركزية في التداول والشيوع على

(1) ينظر: عيار الشعر: 17، أخبار أبي تمام: 13. الصناعتين: 256، نقد الشعر: 58 - 59.

(2) سورة الاعراف:171.

(3) الصناعتين: 239.

(4) سورة: الرعد:14.

(5) الصناعتين: 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت