الصفحة 187 من 384

الذي اشترك فيه بالأخذ) أن النوع الأول اعتمد على الاتفاق في الغرض على الجملة وعلى العموم، والثاني اعتمد على الاتفاق في وجه الدلالة على الغرض، بذكر ما يستدل به على إثبات الصفة وهو بذلك جزء من النوع الأول، ومن ذلك كوصف الرجل في حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح وثبوت الفكر كقول الشاعر [1] :

كأن دنانيرا على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء [2]

فوصف الشاعر للرجل بالابتسام والثبوت بالرغم من تعبه للقاء العدو البادي على الوجه، وصف دل على نظر وتدبر في حالة الموصوف. وهذا ما جوز له أن يكون متقدما وسبقا فيه.

ومن الجدير بالذكر أن الصنف الثالث من معانيهم المسمى بـ (المبتدع أو المخترع) أو (العقم) أو (الغريب) نلحظ فيه على الرغم من تجدد صياغته وتميز من يأتي به من الشعراء وحمله لهذه المسميات، يمتلك الوضوح في المعنى ولو بعد تأمل وتبصر بمعانيه، إذ أنه في أقصى بعده يعتمد على الأمور الدقيقة والبعيدة فيحاول الجمع بينها وبين ما يراد التشبيه به إلا أنه لا يبتعد بما يخرجه عن المعنى المراد إيصاله أو يخالف ما وضع له في أصله من المعنى، أو خارج البيئة الحية، وذلك طبعا عند القدامى من الشعراء وبعض المولدين عدا من أخرج المعاني عن وضعها.

وذكر الجرجاني في هذه المعاني قوله: (( فتشترك الجماعة في الشيء المتداول، وينفرد أحدهم بلفظة تستعذب، أو ترتيب يستحسن، أو تأكيد يوضع موضعه، أو زيادة اهتدى إليها دون غيره فيريك المشترك المبتذل في صورة المبتدع المخترع ) ) [3] . فمصدر هذا المبتدع ليس بغريب عما لديهم من مادة لغوية، أو فكرية. وهذه هي المعاني التي يحصل فيها السرق لمعرفة قائلها وأخذها إذا كان الآخذ على غير وجهه. ومن هذه المعاني قول عنترة [4] :

(1) السرقات الأدبية: 95.

(2) القسمات الوجوه، وأراد بها أنها تشرق في الحرب، وشفه الهم والمرض والحب اوهنه وإذا به والمراد بالوجوه وجوه المحاربين غير الممدوحين.

(3) الوساطة: 186.

(4) التحرير والتحبير: 471. الأجذم: صفة للزناد فأراد أنه قصير لا يوري. والصناعتين: 373. والسرقات الأدبية: 136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت