وعلق الدكتور إحسان عباس على نقد الآمدي قائلا: (( إن الألفاظ تنزلق أحيانا انزلاقا يسيرا عما وضعت له بمرور الزمن، وهذا مبدأ لا يحترمه أمثال الآمدي القائلون بالتدقيق ) ) [1] .
واستعمال أبي تمام لهذه اللفظة (الأيم) في غير ما استعملوه جاء لمعنى آخر، ليس لمجرد اختلاف الاستعمال. وهو أن صنيعه المهدى متكررة عند من أهدي إليه فهو بمنزلة الثيب، لكنها عند المهدي هي بكر، لأنها أول ما أهدى وقد بعثتها إليك كزفاف التي لم تتزوج أبدا لا بكر ولا ثيب من قبل. وذلك ما سوغ الانزلاق الدلالي للمفردة، وسنذكر مسوغات دلالية أخرى لهذه الاختلافات في الاستعمال ستتضح أكثر في الدلالتين الثانوية والهامشية.
ومن الجدير بالذكر أن معاني الشعراء في أول نظمها تكون خاصة وما تلبث أن يتداولها الشعراء، وتشيع حتى تصبح من المعاني المشتركة المتاحة في متناول يد الشعراء، أي ترقى إلى الأغراض العامة ذات الدلالة المركزية، وهذا الصنف (( سبق المتقدم إليه ففاز به، ثم تداول بعده حتى كثر واستعمل فصار كالأول في الجلاء والاستشهاد، والاستفاضة على ألسن الشعراء، فحمى نفسه عن السرق، وأزال عن صاحبه مذمة الأخذ، كما يشاهد ذلك في تمثيل الطلل بالكتاب والبرد، والفتاة بالغزال في جيدها وعينيها، والمهاة في حسنها وصفائها ) ) [2] .
أي تتحول هذه المعاني الخاصة إلى معان عامة بسبب أخذ الشعراء لها، ولا يعد الأخذ بعد ذلك سرقة في الوقت نفسه كونها أصبحت من الأغراض العامة التي هي أصلا يمكن لأي من شاء النظم أن يتحدث عنها لأنها من أحداث البيئة نفسها وبهذا لا يحدث فيها السرق مطلقا فهي مركزية الدلالة أصيلة المعاني (( لا ينفرد أحد منهم بسهم لا ساهم عليه، ولا يختص بقسم لا ينازع فيه، فإن حسن الشمس والقمر ومضاء السيف، وبلادة الحمار، وجودة الغيث، وحيرة المخبول، ونحو ذلك مقرر في البداية، وهو مركب في النفس تركيب الخلقة ) ) [3] .
(1) تاريخ النقد الأدبي: 179.
(2) الوساطة: 185.
(3) الوساطة: 185. وأسرار البلاغة: 295.