الصفحة 183 من 384

الحرص مما جعلهم ينظرون إلى أي مغايرة من المحدثين للقدماء على أنها خطأ لأنها انحراف وخروج عن العرف اللغوي القديم ولا سيما عمود الشعر.

وذلك غير صحيح (( فالخروج عن عمود الشعر معناه الخروج على قوانين الشعر العربي كله ) ) [1] . في حين كان عليهم البحث عما وراء الخروج -وبالأحرى التغير- من مسوغات بلاغية وشتان بين التغير الذي مهما كان يستطيع مسايرة طبيعة اللغة، والخروج الذي عدوه خطأً والذي لا يتلاءم مع فطرة اللغة، ويخل بنظامها [2] .

و لا يخلو الأمر من وجود بعض النقاد المنصفين في آرائهم عن المحدثين وتطورهم، كالصولي: (( قلما أخذ أحد منهم معنى من متقدم إلا أجاده. وقد وجدنا في شعر هؤلاء معاني لم يتكلم القدماء بها. ومعاني أومؤوا بها، فأنى بها هؤلاء وأحسنوا فيها ) ) [3] .

كما لا تخلو أبيات الجاهليين أو الإسلاميين من اللحن والخطأ، مما لا يقوم العذرقية إلا بالتأويلات البعيدة، ولكن ما شاع عنهم من حرص على اللغة ستر ذلك.

ومن هذه التأويلات (انزلاق الدلالة) الذي رفضه الآمدي، حين ورد في بيت أبي تمام ووصمه بالخطأ لأنه استعمل بعض الألفاظ في غير المسموع من معانيها. قال أبو تمام:

وضيعة لك ثيب أهديتها ... وهي الكعاب لعائذ بك مصرم

حللت محل البكر من معطى ... وقد زفت من المعطى زفاف الأيم

فخطأه الآمدي لأنه استعمل (الأيم) بمعنى (الثيب) . قال الآمدي: (( الأيم هي

التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا )) [4] . فبذلك اختلف استعمالها لدى أبي تمام عما عرفت بمعناها الثابت.

(1) قضية عمود الشعر في النقد العربي القديم: 31.

(2) ينظر: خصائص العربية ومنهجها الأصل في التجديد والتوليد، د. محمد المبارك: 67. والنقد اللغوي عند العرب: 394.

(3) أخبار أبي تمام: 17. وينظر الموازنة: 1/ 28 والوساطة: 4. وسر الفصاحة: 274.

(4) الموازنة: 1/ 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت