من سجايا الطلول ألا تجيبا ... فصواب من مقلة أن تصوبا
فاسألنها وأجعل بكاك جوابا ... تجد الشوق سائلا ومجيبا
فهذه فلسفة حسنة ومذهب من مذاهب أبي تمام، ليس على مذاهب الشعراء، ولا على طريقتهم [1] .
وعلى الرغم من اختلاف نهج المتنبي ومذهبه الشعري، إلا أن مآخذ النقاد عليه جاءت للأسباب نفسها في المآخذ على أبي تمام، كذلك عرفت لديه الكثير من المبتكرات في شعره.
فما أخذ عليه في تباعد الاستعارة قوله:
أليس عجيبا أن وصفك محسن ... وأن ظنوني في معاليك تظلع
وقوله:
إلا يشب فلقد شابت له كبد ... شيبا إذا خضبته سلوة نصلا
فاستعار الضلع للظنون، وللكبد الشيب، وهذه استعارات لم تجر على شبه قريب، ولا بعيد [2] .
كذلك خرج شعره إلى طريق الفلسفة في قوله:
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب
فقيل تخلص نفسه المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب
(( وقد أتى في شعره بأغراض فلسفية، ومعان منطقية ... .. على غاية من الفضل وسبيل نهاية من النبل ) ) [3] . وسيتضح أثر هذه الابتكارات، وما خرج عن العرف على نحو أوضح في الدلالة الهامشية فيما بعد.
ومن الحق أن نقول أن النقاد في مؤاخذاتهم على الشعراء قد كانوا متشددين في نقدهم على نحو منع حرية الفكر المعروفة عن العقلية العربية ولغتها، وإن كان ذلك في معظمه من باب الحرص على الدلالات الأصلية للغة، إلا أن التعصب لنهج الشعراء الأقدمين مع ما تداخل من خصومات لأسباب عدة كان موازيا لذلك
(1) الموازنة: 1/ 472.
(2) الرسالة الموضحة: 73.
(3) الرسالة الحاتمية: 23.