الصفحة 178 من 384

كذلك قول النابغة في مدحه النعمان [1] :

فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

خطا طيف حجن في حبال متينة ... تمتد بها أيد إليك نوازع

وهو تشبيه مأخوذ مما جبلت عليه طبيعة العربي واستقاؤه الصور مما في فضائه الواسع فالليل عند حلوله يطغى على كل شيء، وهو في ذلك يوحي بسطوة النعمان واستطاعته ويزيد تشبيهه قربا بتجسيمه لسلطة الملك فشبه نفسه بالدلو المعلق بهذه الخطاطيف (( حديدة على شكل حرف(ل) يعلق بها الدلو لسحب الماء بجذبها باليد، ولا يستطيع منها إفلاتا )) [2] .

ومن أكثر التشبيهات حسية لدى القدماء وأوضحها في عكس الصورة والتي تميزت بين تشبيهات الشعراء، هو ما قاله (ممثل مدرسة الشعراء الجاهليين) [3] ، المطبوعين الفحول أمرؤ القيس، وكل تلك المسميات هي مما أطلق على تلك الطبقة لكل ما تميزت به مما ذكرناه.

إذ قال [4] :

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي

فهو يشبه قلوب الطير الرطبة التي تفترسها طيور العقاب بـ (العناب) وهو نبات بري أحمر اللون فالتشبيه من حيث حمرة اللون بينهما دلالة صيده الجديد، وشبه القلوب اليابسة بالحشف البالي المتيبس من التمر دلالة على صيده القديم معا التي يبس فيها الدم.

ومن تشبيهاته الحسنة أيضا قوله يصف فرسه [5] :-

له إيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

فقد أخذ من صفات الحيوانات في صحرائه ما رآه مناسبا أن يصف به فرسه تفاخرا به.

(1) ديوان النابغة: 71. المنتأئ: البعد. والصناعتين: 81.

(2) ينظر: النقد المنهجي: 88.

(3) قضية عمود الشعر في النقد العربي القديم: 213.

(4) العمدة: 1/ 177، وينظر: قضية عمود الشعر في النقد العربي: 214.

(5) عيار الشعر: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت