لكونهم أصدق شعرا، وأقرب إلى المألوف، وأكثرهم التزاما بعمود الشعر وهم الطبقة الأولى المتمثلة بالشعراء الجاهليين أمثال أمرئ القيس وزهير بن أبي سلمى، وعمر بن كلثوم وهم أصحاب المعلقات التي أصبحت مثالا للشعر العربي للأوائل والمحدثين لما توفر فيها من صفات فنية كانت الأساس للأدب العربي، (( فالعرب إنما كانت تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته وتسلم السبق لمن وصف فأصاب، وشبه فقارب، وبده فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة وإذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض، وقد كان يقع ذلك في خلال قصائدها ويتفق لها في البيت بعد البيت على غير تعمد وقصد ) ) [1] .
وأهتم الشعراء الجاهليون بالأغراض ذات العلاقة بحياتهم كالشجاعة والوفاء والحث على الكرم ... .. الخ ولم يهتموا كثيرا بالمحسنات البلاغية.
كقول أمرئ القيس في البكاء على الأطلال:
وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول
وقول ذي الرمة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل
و (( هذا معنى معلوم عند العرب بأن شأن الدمع يخفف الحزن، ويعقب راحة، وهو كثير في أشعار العرب ما عدل به أحد عن هذا المعنى ) ) [2] .
وقول النابغة الجعدي في صفة الحرب [3] :
ألم تعلموا ما ترزأ الحرب أهلها ... وعند ذوي الأحلام منها التجارب
لها السادة الأشراف تأتي عليهم ... فتهلكهم والسابحات النجائب
وتستلب الدهم التي كان ربها ... ضنينا بها والحرب فيها الحرائب
وقول الأعشى مادحا تكريم شخص له أسمه (( المحلق ) ) [4] :
(1) الوساطة: 33 وينظر مقدمة المرزوقي: 8 - 11، وسر الفصاحة: 270.
(2) الموازنة: 1/ 200.
(3) أخبار أبي تمام: 55.
(4) الكامل، المبرد: ج2/ 4 - 5