الصفحة 174 من 384

وكلما زاد التباعد بين المشبهين في أبيات الشعراء زادت مؤاخذات النقاد، فمن هذه التشبيهات البعيدة قول خفاف بن ندبة [1] :

أبقى لها التعداء من عتداتها ... ومتونها كخيوطة الكتان

فتشبيه القوائم والمتون بالخيوط بعيد جدا [2] . كما أنه من تشبيهات العامة المعروفة حتى الآن والتي تقال عند التعب وقد آخذ النقاد هذا التشبيه لبعده عن الحقيقة التي هي التزام القدامى في ضرورة توافرها في التشبيهات ومما اعتادوا عليه. وكذلك تباعد التشبيه في قول بشر بن أبي خازم [3] :-

وجر الرامسات بها ذيولا ... كأن شمالها بعد الدبور

رماد بين اظهار ثلاث ... كما وشم النواشر بالنؤور

إذ شبه الشمال والدبور بالرماد [4] .

وفي كثير من المعاني صدق التشبيه حتى في حال انعكاسه كتشبيه الخد بالورد، أو الورد بالخد، وتشبيه جمال الوجه بالقمر أو استدارة القمر بالوجه، وغير ذلك من هذه التشبيهات المعروفة في العربية ومنه قول الشاعر:

وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب

الذي عبر به عن معنى كلي عام بعد أن كان يتحدث عن معنى جزئي في وفاء الخيل لصاحبها إلى الوفاء الإنساني بين الأصدقاء الحقيقيين وهم قليلون بين كثير ممن يسميهم الإنسان أصدقاء ويعرف ذلك بالتسويم [5] .

وفي ضوء ما مضى كله من أجل إيضاح الدلالة المركزية في هذه المعايير النقدية وللارتقاء بالدلالة إلى مرحلة البيان الفصيح ثبتت الدلالة المركزية (( بأنها خير المعاني، وأشدها أصالة في المألوف من الأغراض الشعرية كونها تصلح أن تكون أولا وثانيا ومتبوعا وتابعا ... .. وذلك دليل على شدة انتسابها إلى طرق الشعر وحسن موقعها منه على كل حال، ولا يمكن أن يتألف كلام بديع عال في الفصاحة إلا

(1) الصناعتين: 263.

(2) الشعر والشعراء، ابن قتيبه: 141 - 142.

(3) وينظر الموشح، المرزباني: 131: والصناعتين، العسكري: 264.

(4) عيار الشعر: 148 - 149.

(5) ينظر: منهاج البلغاء: 299.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت