وفواقع مثل الدموع ترددت ... في صحن خد الكاعب الحسناء
(( إن الدموع لا تتردد في خد، كما يتردد الحباب في الكأس، وإنما الدمع يجري ويتتابع ) ).
فصححه قائلا (( إنَّ المعنى صحيح ولا عيب فيه، لأن التردد قد يكون الجولان، وقد يكون التتابع، وقد يكون التتابع والتواتر ... .فإذا شبهت الخمرة بالخد وذكر الحباب فمن أليق ما شبه به وأحسنه وأصحه الدمع لأن الدمع قد يقف في الخد كوقوف الحباب في صحن الكأس ) ) [1] .
ومن جيد التشبيه أيضا قول أبي تمام:
هاديه جذع من الأراك وما ... تحت الصّلا منه صخرة جلس
وفيه شبه عنق الفرس بالجذع من حيث الصلابة والشكل المتقارب، وتلك عادة العرب وهو في أشعارها أكثر من أن يحصى [2] . فكل تلك المعايير الدقيقة من أجل الوصول بالمعاني إلى الصحة في اتباع أساليب العرب اللغوية وكل ذلك يصب في رافد الدلالة المركزية.
ومن التشبيهات المستحسنة لاحتوائها ما سبق من المعايير قول يزيد بن عوف، يذكر صوت جرع رجل قرى اللبن:-
فغب دجالا جرعه متواتر ... كوقع السحاب بالطراف الممدد
فقد شبه الشاعر صوت جرع الرجل اللبن بوقع المطر على الخباء من أدم، [ولدقة انتباه الشاعر لما في بيئته تحسس اختلاف الأصوات لاختلاف أجسامها المصطكة بها] ، فليس يدفع أن اللبن وممر المرئ اللذين حدث عن اصطكاكهما صوت المطر. وهذا يدلل على عمق أثر المشاهد في النفس [3] . وعكسه بوضوح في الألفاظ مما مكن توصيله بسهولة لدى المستقبل ووجد لديه القدرة على تمثل قابلية الشاعر في تقريبه بين عناصر التشبيه.
(1) الموازنة: 1/ 380 - 381.
(2) ينظر: الموازنة: 1/ 137. هاديه: عنقه. الصلا: واحد الصلوين وهما عظمان يكتنفان الذنب. صخرة جلس: صلبة ثقيلة.
(3) ينظر: نقد الشعر: 124.