الصفحة 171 من 384

3.الإصابة في الوصف:-

وهو أن يكون وصف الحقيقة عن طريق اللغة سليما من حيث المطابقة واختيار الدقيق من الألفاظ والمعاني الدالة على تلك الحقيقة، ويماثل هذا صحة المعنى فيما سبق. وقدامة بن جعفر خير من عرَّف الوصف بقوله:

(( الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، ولما كان أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني كان أحسنهم وصفا من أتى في شعره بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها، ثم بإظهارها فيه، وأولاها حتى يحكيه بشعره ويمثله للحس بنعته ) ) [1] . أي تتمثل صورة الموصوف للنظر كقول النابغة الجعدي يصف ذئبا أفترس جؤذرا:-

فبات يذكيه بغير حديدة ... أخو قنص يمسي ويصبح مضطرا

إذا ما رأى منه كراعا تحركت ... أصاب مكان القلب منه وفرفرا

وهذا حال أساليب العرب في الوصف فهي تستعيد الوصف الحسي وتستحسنه حتى إذا وصفت المعنويات جاءها بطريق الحسي، وفي حالتي الوصف تنعكس الدلالة المركزية ما دام الوصف حقيقة واقع وموجود في البيئة العربية دالة عليها لغتهم كما في قول زهير بن أبي سلمى:

أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله

فقد وصف الحقيقة المعنوية (( الكرم ) )بطريق الحقيقة الحسية (وهي إعطاؤه المال تكرمًا) وذلك لجعل الوصف صيغة ماثلة على قلب السامع ومرآه. وتلك هي حقيقة السخاء أيضا [2] .

إذن فالأساس الموصوف يمثل الروح العام المشترك وهي الحقائق المادية التي تؤخذ عنها باقي الدلالات المعنوية والمجازية. وهذا ما أصطلح عليه في الفلسفة الجمالية الغربية ولاسيما عند (( بند توكروتشه بـ( Intuition) وهو التهيؤ بطريق الحس للأمر الطبيعي الملائم وإرجاع أي لذة جمالية بصدورها عن الحس، أو هي آخر

(1) نقد الشعر: 134، وينظر أيضا المقدمة المرزوقي: 1/ 9.

(2) ينظر نقد الشعر: 69 - 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت