بالممارسة سيتحول ذلك الأثر إلى إدراك شديد الوضوح في اللحظة الواحدة وإن كان أثره ذا مدى أبعد [1] .
وفي ضوء هذا الفهم للعملية النقدية جاءت مؤاخذات النقاد على الشعراء منكرين عليهم ما خالف تلك المقاييس في (( اللفظ والمعنى ) )فمما عابوه على استعمال أبي تمام للألفاظ وضعها في غير موضعها كلفظة (( صلف ) )في قوله:
ما مقرب يختال في أشطانه ... ملان من صلف به وتلهوق
فقد حملها في بيته بمعناها العام وهو (التيه والكبر) مخالفا أصلها اللغوي الذي تستعمله العرب معها فنقول: (( صلفت المرآة عند زوجها ) )، إذا لم تحظ عنده، و (( صلف الرجل ) )كذلك إذا كانت زوجته تكرهه [2] .
وعابوا على البحتري مقابلته غير المستقيمة من حيث الوضع اللغوي بين لفظة البكر والأيم في قوله:
تشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام، بين بكر وأيم
فالأيم التي لا زوج لها سواء سبق لها الزواج أم لا [3] .
وعابوا على أبي تمام استعماله بعض ألفاظ العامة مثل كلمة (تفرعن) ما أضعف المعنى وجعله في غاية الركاكة وذلك في قوله:
جليت والموت مبد حر صفحته ... وقد تفرعن في أفعاله الأجل
وهذا المعنى (( ما زال الناس يعيبونه به ويقولون: اشتق للأجل الذي هو مطل على كل النفوس فعلا من اسم فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون، وعلى نفس كل فرعون كان في الدنيا ) ) [4] .
(1) ينظر: مبادئ النقد الأدبي: 198.
(2) الموازنة: 1/ 234، وسر الفصاحة: 84، والمقرب: الفرس. والأشطان هنا: الأرسان.
(3) سر الفصاحة: 73.
(4) الموازنة: 1/ 227.