الصفحة 169 من 384

المألوف من ألفاظ لغة العرب، وتتحصل هذه الجزالة في خلو اللفظ من الابتذال والغرابة التي تبعده عن المرتبة المركزية لأنه -أي الجزل- مما استعملها العرب في التعبير عن أغراضها، قال أبو هلال العسكري: (( ولا ينبغي أن يكون لفظك وحشيا بدويا، وكذلك لا يصلح أن يكون مبتذلا سوقيا ... والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا لا يشوبه شيء من كلام العامة وألفاظ الحشوية، وما لم يخالف فيه وجه استعماله ) ) [1] .

وبصفاء اللفظ من تلك العيوب، أمكن استعماله وشيوعه، حتى يصبح مألوفا وبذلك نقول بمركزيته، على أن لا يصل باستقراره وشيوعه فهما عند الناس إلى الابتذال، فهو عام المفهوم، غير مستعمل في الكلام العامي بل مستعمل في الأغراض المشتركة ذهنيا بين الجماعة.

وتسند هذه الجزالة الى الاستقامة التي تمثل جوهر الجزالة بكونها اتفاق معنى اللفظ مع أصل اللغة وقواعدها المعروفة التي وضعها أصحابها.

أي لا يخرج المعنى عن مدلوله عن استعمال العرب [2] . وما يصقل هذه الدلالة بلفظها ومعناها سلامتها الموسيقية (جرسها) لأن الكلام يلتقط بطريق السمع بعد ذلك يعرف السامع ما إذا كان هذا الملفوظ مسموعا ومفهوما من قبل لديه وفما إذا كان سليما مقبولا، أو لا وذلك ما يعتمد عليه في وزن الألفاظ ونبرها وتنغيمها، فالحروف ثابت استعمالها الصوتي ذهنيا لمتداولي اللغة فمن السهل جدا تجاوبهم مع اللغة الكلامية في حال كون (( اللفظ مستقيما بسلامته من تنافر الحروف ) ) [3] . فالوزن له أثره في زيادة الحيوية و الحساسية في المشاعر العامة وفي الانتباه وبتكرار هذا التنبه واشباعه

(1) البيان والتبيين: 1/ 144، وينظر قواعد الشعر: 59، الصناعتين: 155، والموازنة: 1/ 286.

(2) اتفقت جميع الكتب النقدية الحديثة على معنى الاستقامة هذا مثل (1) دراسات بلاغة ونقدية، أحمد مطلوب: 424، والنقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال: 162، وقضية عمود الشعر في النقد العربي القديم: 203. (أما عند المصادر القديمة) فتظهر من خلال حكمهم في المؤاخذات كما سيتضح في الأمثلة.

(3) صبح الأعشى، القلقشندي: 2/ 206.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت