وما مؤاخذتهم تلك وطلبهم للمثال إلا للوصول إلى المعاني الصحيحة الجيدة المسلم بها جماعيا. ولذلك قال قدامة بن جعفر: (( وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى كان ... .أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى النهاية المطلوبة ) ) [1] . ولأن المعنى المعروف هو القاعدة عندهم فجاءوا بهذا المعيار موافقة لما جرت عادة العرب به. وبذلك يصبح المعنى مع حقيقته المألوفة عندهم. وهذا ما قصدوا به صحة المعنى بعد تفحصهم الثاقب له. وتلخص ذلك بقول بشر بن المعتمر: (( والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من مقال ) ) [2] . فشرف المعنى هو المثال فيه وبانطباقه على حقيقته صحته. وتلك هي الدلالة المركزية.
وما دل على تلك المعاني هي الألفاظ المناسبة لها من حيث المنظار النقدي المتمثل بمعيار
2.جزالة اللفظ واستقامته:-
وهو معيار يشير إلى الألفاظ المركزية أيضا إذ يعتمد الشائع المستعمل الموافق للذوق العربي سواء أكانت مفردة أم معنى مركبا وحدد المرزوقي ذلك بقول (( وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم. وهذا في مفرده وجملته مراعى، لأن اللفظة تستكرم بانفرادها فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجينا ) ) [3] .
وأود أن أذكر أنني ذكرت ما يخص مركزية اللفظ أيضا في معرض الحديث عن الدلالة المركزية. وأورده الآن ضمن معياره المخصص في عمود الشعر.
جاء في اللسان: (( الكلام الجزل: القوي الشديد واللفظ الجزل: خلاف الركيك ) ) [4] . ومرجع هذا إلى مبدأ الاختيار [5] -الذي ورد عند الجاحظ- للجيد
(1) نقد الشعر: 17 - 18.
(2) البيان والتبين: 1/ 136.
(3) مقدمة المرزوقي: 1/ 9.
(4) لسان العرب (جزل) .
(5) الحيوان: 3/ 131. وعيون الأخبار لأبن قتيبة في قول عمرو بن عبيد المعتزلي واصفا البلاغة: (تخير اللفظ في حسن إفهام) : 2/ 173.