الصفحة 167 من 384

فإذا (( أتى الشاعر من الغلو بما يخرج به عن الموجود، ويدخل في باب المعدوم فلما يراد به المثل، وبلوغ الغاية في النعت ) ) [1] .

وقد جاء كثير من مؤاخذات النقاد على الشعراء من هذا الباب فقد فضلوا قول أمرى القيس في وصف الفرس:

على سابح يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا وان

على قوله يصف خيل البريد:

فللسوط الهوب وللساق درة ... وللزجر منه وقع أخرج مهذب [2]

وجاء تفضيلهم للبيت الأول لأنه وهبهم ما أرادوه من طبيعة في جري الخيل بانسياب دون عنف، بخلاف البيت الثاني كأنما انتزعت سرعة الجري انتزاعا بالقوة مما يشعر بضعف الفرس وضعف قابليته على ذلك.

وهذا ما جعلهم يفضلون المطبوع على المصنوع. فالمثال الذي يرونه في شرف المعنى هو صورة المعنى المطبوع الذي يطابق حقيقة المطلوب.

وهذا ما جعلهم يؤاخذون البحتري على قوله:-

قف العيس قد أدنى خطاها كلالها ... وسل دار سعدى أن شفاك سؤالها

لأن قصده من الوقوف إراحة المطي من التعب، لا سؤال الدار حبا لها مع أن هذا هو القصد الأساس الذي كان يجب إيصاله إلى الأذهان. والحق معهم في ذلك.

وفضلوا عليه قول عنترة، لأنه لما ذكر الوقوف على الدار احتاط بأن شبه ناقته بالقصر فقال:

فوقفت فيها ناقتي وكأنها ... فدن لأقضي حاجة الملوم

قال ذلك ليعلم أنه لم يقفها ليريحها [3] .

(1) حلية المحاضرة: 1/ 195.

(2) الصناعتين: 80 الأفانين: الضروب، الكز: المنقبض، وأراد بانقباضه تقارب خطاه في السير، والألهوب: شدة الجري، والدرة: شدة الدفع، الأمزج: الظليم، والمهذب: المسرع في العدو.

(3) الموازنة: 1/ 358. والفدن: القصر، والمتلوم: المتمكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت