قرأ الجمهور {فوَل وجهك شطر المسجد الحرام} [1] وقرا ابن أبى عبلة: (فول وجهك تلقاء المسجد الحرام) . والقراءة الثانية تقدم لفظة مرادفة لـ (شطر) ويذكر أبو عبيد انَ التلقاء معناها (نحو) في لهجة كنانة. وكلاهما بمعنى (النحو والقصد) [2] .
يقول الراجحي: (ان لفظة(شطر) ، معناها المعجمي (نصف الشئ) ، وهو ما نظنه الأصل الأول لمعاني هذه اللفظة، ثم كان من معانيها المتطورة بعد ذلك (النحو والقصد) . واما اللفظة الثانية (تلقاء) فالمعنى الأصلي لها مأخوذ من (اللقوة) وهي داء يكون في الوجه يعوج منه الشدق فكان تلقاء ماخوذة من اتجاه الوجه في ناحية بعينها) [3] والمعنى من حيث الدلالة ألادق (الميل) لان اصل الوجه معتدل ويميل لأجل تلك العلة والمْيل لا يكون بكل الوجه بل بجزء منه.
والاستعمال القرآني للفظة (شطر) المتكرر في القرآن الكريم والمسبوقة بـ الفعل (ولَى) ومع تحديد لفظتي (وجهك أو وجوهكم) - في آيات أخرى تورد اللفظ (شطرُ) بمعنى (القصد والنحو) المحدد قبل المسجد الحرام وهو من لهجة قريش لذلك ارتقى وشاع استعماله مع (الاتجاه) على (تلقاء) التي اختلف مدلولها باختلاف موضعها في الاستعمال مما ابعدها عن معنى الاتجاه أو التوجه والقصد واصبحت هامشية فيه.
ويقول الدكتور إبراهيم أنيس: (كثيرا ما يصيب الدلالة بعض الانهيار او الضعف فنراها تفقد شيئًا من أثرها في الأذهان، او تفقد مكانتها بين الالفاظ التي تنال من المجتمع الاحترام والتقدير) [4] . مثل كلمة (حاجب) كانت تعني في المشرق (البواب) واستعملت في الاندلس بمعنى ما يطلق. عليه اليوم رئيس الوزراء لكن معناها انحط بعد ذلك وكانها رجعت الى اصل مدلولها.
كذلك كلمة (الوزير) بمعناها العربي اذ يتراجع معناها في الاسبانية ولا تعني سوى شرطي.
(1) سورة البقرة:144،149،150.
(2) اللهجات العربية، د. عبده الراحجي: 196 - 197.
(3) عوامل التطور اللغوي، د. احمد عبد الرحمن حماد: 177
(4) دلالة الالفاظ: 156.