اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ [1] . ثمة ملحظ بياني دقيق الأثر في الآية الأولى، وهو استعمال (مال) مع القوم، و (أجر) مع الله سبحانه، وثمة ملحظ أدق هو التحول السياقي من (مال) في الآية الأولى إلى (أجر) في الآية الثانية، والوقوف على دلالة هذا التحول يضعنا قريبا من سر الاختصاص الدلالي لهذين اللفظين والإيحاءات المنبعثة منهما. أمَّا الأول، فانه عدل عن (مال) إلى (أجر) إشارة إلى محدودية الأول، وإيحائه بمصاحبة المنة والكدر، وضيق النفوس، فان اشد ما يزعج الذات تخليها عن المال [2] . على حين استعمل (اجر) مع الله تعالى إشارة إلى السعة والشمول الذي عليه العطاء الإلهي، فضلا عن وحي اللفظ بالضمان والوعد، وسينجز الله وعده. وأكبر من هذا وحيه بالمد العقيدي، والإحساس بلقاء الله تعالى. وأمَّا الثاني فإنه تحول من (مال) إلى (اجر) في الآية الثانية لينبه على ارتباط المال بالدنس، و (الرجس) وعدم الطهارة [3] ، فكأنه ترفع عن ذكر المال لهذا الارتباط، ولترفعه عن الحياة الدنيا و علائقها، ويتأكد هذا بالقول أن (اجر) استعملت في سياق الآخرة (85مرة) ، بينما كانت في سياق الدنيا (20مرة) ، ويضاف إليه ما ذكر في الفرق بين استعمال (مال) و (اجر) في الآية الأولى.
ويبدو أنَّ استعمال (اجر) يغلب في سياق الاستحقاق وما يكون معنويا، كما في قوله تعالى خطابا للرسول الأكرم (( ) : {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [4] . فعلى الرغم من كونه دنيويا إلاَّ انه بحكم الأجر الأخروي؛ ذلك انه فرض الهي ملزم، فضلا عن كون الالتزام به يفرض أجرًا أُخرويا، فلذلك سماه أجرًا، تفاؤلا بما يؤدي إليه من اجر الهي، وضمانا لهذا الأجر.
وعبَّر القرآن الكريم به عن مهور النساء، يقول تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [5] . لما غلب استعمال الأجر فيما يكون معنويا، صار لفظه بالمهور أليق، ذلك انه يحتوي الدلالة على رمزية الممارسة، والخلوص من شح النفس، وطمعها، ومن ثم إشارة الأجر إلى الطهارة، والنقاء، والتفاؤل بالخير والنماء وهذا مما يصاحب ظرف الزواج وغايته.
(طيِّب)
الطيِّب: ما تستلذ به الحواس والنفس [6] .
وتعددت استعمالاته في السياق القرآني، فقد ورد (48مرة) [7] . وما كان موحيا استعماله في وصف المؤمنين، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
(1) يونس /72، وينظر. الشعراء /109، 127، 145، 164، 180، سبأ /47.
(2) قيل انه استعمل (مال) مناسبة لذكر الخزائن في هذا السياق، إشارة إلى قوله تعالى على لسانه (?) : (( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ) )هود/31. ينظر. التعبير القرآني / فاضل السامرائي 159.
(3) اتفق ذكر المال مع الدعوة إلى الزكاة، يقول تعالى (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ) )التوبة / 103.
(4) الشورى /23.
(5) المائدة /5، وينظر. النساء /24، 25، الأحزاب /50، الممتحنة /10.
(6) ينظر. المفردات (طيب) 321.
(7) ينظر. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم432 -433.