والتلاوة [1] ليس كل ما يعطيه هذا اللفظ الأول من الدلالة، إنما يفيض بالإشارة إلى الأمن والأنس بعد الحيرة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل المبعث. وله إشارة إلى التأمل والتهيؤ التام لأعباء الرسالة، إذ يجعل له السياق دلالة على التوكل، وحالة من الارتقاء وتجاوز الأعراض الدنيوية رجاء في الله تعالى.
(آثر)
الأَثَرَة، والاَثْرَة، والاُثَرة: التفضيل والتقديم [2] .
وقد جاء في القرآن الكريم مرة واحدة في سياق قصة يوسف (( ) على لسان اخوته بعدما عرفهم وعرفوه إبان قدومهم عليه يقول تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ - قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [3] . فالسياق سياق اعتذار واعتراف بالخطيئة يقابل بتسامح عال لا يصدر إلاَّ عن ذوي النفوس الكبيرة، وكذلك يوسف (( ) فيأتي (آثرك) في هذا السياق المتصاف حاملا شحنة من العاطفة الخجلى بازاء كرم النفس والصفح الجميل.
و (آثرك) هنا يستقدم (يجتبيك) التي كانت على لسان يعقوب (( ) خطابا ليوسف (( ) ، فكلاهما يعطي الدلالة على التأهيل والاصطفاء الرسالي، ويوحي استعمال فعل الإيثار بالندم وطلب المغفرة، وذلك ما يعززه السياق القرآني، إذ دعا لهم يوسف (( ) بالمغفرة {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وأجمل ما يوحي به (آثرك) التهنئة والغبطة و التوق إلى الأكملية والأفضلية اليوسفية التي كانت سببًا في الحسد والكيد وتصير الآن سببًا في المغفرة والحب.
(اتَّخَذَ - خليلًا)
الإتخاذ: من تَخَذَ يتخذ تخذًا، اجتمع فيه التاء الأصلي وتاء الافتعال، فأُدغمتا ... والاتخاذ يتعدى إلى مفعولين، ويجرى مجرى الجعل )) [4] .
وجاء في سياق الاصطفاء مرة واحدة. يقول تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [5] ، وهو بمعنى الاختيار [6] . والاتخاذ تأييد ونصرة وحماية، فقد حمى الله إبراهيم (( ) من النمرود وناره [7] ، واصطفاه لرسالته؛ فيكون الاتخاذ ماضويا حاضرا استقباليا، أي الخلة بين الله تعالى وإبراهيم (( ) ليست بخلة ظهرت توا، إنما هي متوافرة على صعد الحماية والتطهير، وظلت تتصاعد وتعلو درجاتها.
أمَّا (( خليلا ) )ففيها حس الدلالة على معنى الحاجة واللجوء إلى الله تعالى [8] .
بعد الكلام على ألفاظ (التمهيد) الرسالي، يُلاحظ عليها انقسامها، أو ترتيبها على أربع مراحل، مثّل كل مرحلة من مراحلها الثلاث الأولى فعل واحد، على حين مثل المرحلة الرابعة وحدها أربعة أفعال، وهذا يحقق تناسبا أُسلوبيا عدديا، ولا يخفى أنَّ المشخص الأسلوبي المهمين على هذه المرحلة كلها هو
(1) ينظر. جامع البيان / الطبري 30/ 162، التفسير البياني للقرآن الكريم / د. عائشة عبد الرحمن 2/ 15.
(2) ينظر. اللسان (أثر) 4/ 7.
(3) يوسف /91 - 92.
(4) بصائر ذوي التمييز 2/ 49.
(5) النساء / 125.
(6) ينظر. جوامع الجامع 1/ 289.
(7) ينظر. التبيان 3/ 339. قال تعالى (( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) )الأنبياء /69.
(8) ينظر. الميزان 5/ 100.