و (سرابيل) الثانية في هذه الآية هي الدروع [1] ولباس الحرب. ويعزز اشتراك (السرابيل) في الدلالة على اللباسين (السلم والحرب) دلالتهما على الخشونة، وأنها لباس موقوت، ومن ثم فربما يكون غير أليف عند الإنسان.
أما (سرابيل) الآخرة، فكانت في سياق العذاب حسب، وذلك قوله تعالى: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ - سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ} [2] . الكراهة والقبح من الظلال الدلالية لهذا الاستعمال، فلباسهم في النار مما يحرق هو في ذاته، فان (القطران) (( ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدته والجلد وقد تبلغ حرارته الجوف، ومن شأنه ان يسرع فيه اشتعال النار وقد يستسرج به، وهو اسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي القمص لتجتمع عليهم الأربع: لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح؛ على ان التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين ) ) [3] .
يلحظ على الاختيار القرآني لألفاظ اللباس والزينة أن هذا الاختيار يلتفت فيه إلى أن (الزينة) و (الريش) لم يذكرا بين لباس الآخرة، ويبدو أن ذلك كان لما فيهما من إشارة إلى الترف والبطر والإسراف، على حين كان لباس الآخرة بين (الثياب) و (اللباس) و (السرابيل) ، فاختص (اللباس) بما يلبسه أهل الجنة لتضمن هذا اللفظ الإشارة إلى القناعة مع الترف المبتعد عن الخيلاء، وليناسب هذا إشارتها الباطنية في السياق الدنيوي إلى التقوى والحياء، فيظهر شيء من التناسب الدلالي بين التقوى / الخفاء، والحياء/ الخفاء وما يمثلانه من سلوك قلبي باطني وإفاضة روحية تتجلى سلوكا ظاهريا وبين روحية (باطنية) الفعاليات في سياق الحياة الآخرة في الجنة، أما التناسب الدلالي بين (اللباس) وما يمثله من ستر وخفاء وبين التقوى فمما لا يخفى في هذا المقام.
ولما اختصت (سرابيل) من بين الألفاظ العامة بلباس أهل النار عمت كراهتها (وقبحها) لباس أهل الدنيا منها.
أما الثياب فقد توسطت بين الجنة والنار في حركة إشارية إلى ما كانت عليه في الدنيا من أرجحة بين الظاهر والباطن، أو الدرن والطاهر، فقد نزعت ثياب الدنيا نحو الباطن من خلال التطهير، فجاءت في الآخرة لتعيش حالة الطاهر في الجنة وحالة الظاهر في النار مع تغليب الحالة الأولى مثلما هي حالها في الدنيا.
(1) ينظر. نفسه.
(2) إبراهيم /50.
(3) الكشاف 2/ 384 - 385.