آخر يمكن القول ان هنالك حاجزا نفسيا يمنع (المعتر) من السؤال، فلربما هو حديث العهد بالفقر والعوز، فلم يعتد سؤال الناس بعد [1] ، وربما يكون فقره مرتبطا بموقف كأن يكون غريبًا فاقدا ماله، وهذا يرتبط باستعمالهم (عرير القوم) بمعنى غريب بينهم [2] ، فإن اعتراض الأبواب [3] المدلول عليه بلفظ (المعتر) (( فيه حس تهيب وغربة ) ) [4] .
وعلى أية حال ففي (القانع والمعتر) إشارة إلى التوكل على الله تعالى، وإلى القناعة، فإن اللفظتين ـ لاسيما القانع ـ لا ينفكان ـ على الرغم من اختلافهما عن قنع ـ من دلالة على الرضا.
ويقنع التحليل الدلالي لهذين الدلالتين بأن الاستعمال القرآني ينزلهما منزلة الضيف حافظا بذلك وقارهما، ودافعا عنهما الذل، مميتا في قلب المعطي (المسؤول) كبره واحتقاره في إشارة رائعة إلى التربية النفسية وتهذيب الخلق وتكافل الجماعة تكافلا أخلاقيا لا يجرح المشاعر.
الثاني: الفقر المتوسط
(مِسْكِين)
المسكين: مأخوذ من السكن [5] والاستقرار. وهو الفقير [6] على فرق بينهما فهو الذي لا شيء له [7] ، أو هو أحسن حالا من الفقير [8] . قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [9] .
فسماهم (مساكين) ويملكون سفينة [10] . ومن اللغويين من ساوى بين المسكين والفقير [11] .
وجاء في القرآن الكريم (23مرة) منها قوله تعالى في الأبرار: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا - إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} [12] .
ويقول تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [13] . ومنه قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}
(1) ينظر. الكشاف 3/ 15، مجمع البيان 7/ 317.
(2) ينظر. مختار الصحاح (عر) 423.
(3) ينظر. نفسه.
(4) الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق 299.
(5) ينظر. السان (سكن) 13/ 216.
(6) ينظر. مختار الصحاح (فقر) 508.
(7) ينظر. الفروق اللغوية 113، فقه اللغة وسر العربية 50.
(8) ينظر. فقه اللغة وسر العربية 53، اللسان (سكن) 13/ 216، (فقر) 5/ 60.
(9) الكهف /79.
(10) ينظر. اللسان 13/ 216.
(11) ينظر. فقه اللغة وسر العربية 53، مختار الصحاح (فقر) 508.
(12) الإنسان /7 -9، وينظر. البقرة /184، المائدة /89، 95، المجادلة /4، الحاقة /34، المدثر /44، الفجر /18، البلد /16، الماعون /3.
(13) البقرة /83، وينظر. البقرة /177، 215، النساء /8، 36، الأنفال /41، النور /22، الحشر /7.