فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 257

في مقام التحليل الدلالي للحدث الكلامي لاتتأتى لدراسة المعنى خطواتها الصحيحة ما لم تجتمع لها آفاق العلاقة بين الاسلوب والمعنى وتمظهرها من حيث قنوات التوصيل الدلالي المهيمن على الإبلاغ من دون آن ينقصه شيء من عناصر التأثير والإدهاش؛ فلا تعدو العملية اللغوية الإقناع والتأثير [1] أو الكشف والإبلاغ [2] ، وليس يتحقق هذا بغير الوحدات الدلالية؛ فتأتي ابلاغية اللغة وبلاغتها في آن.

وليس الاسلوب سوى (( خصوصية تحدث في المعنى ) ) [3] على نحو من الاختيار [4] والعدول، فيظهر على هيأة من الانفعال ومدى من التأثير بعيد؛ ذلك أنَّ (( الانفعالية في اللغة تعبر عن نفسها على وجه العموم بصورتين: اختيار الكلمات وبالمكان الذي يخصص لها في الجملة، يعني أنَّ معيني الانفعالية الأساسيين هما المفردات والتنظيم ) ) [5] . وعنصر الاختيار هو ما يميز اللغة الانفعالية من غيرها [6] ؛ إذ تظل مراعية مقتضيات الحدث اللغوي من خلال تحولاتها السياقية بحسب تحولات المقام فتصوغ عبارتها صوغا جماليا؛ فلا يكون المعنى تبعا لذلك بمعزل عن عناصر السياق كلها، فان إنتاجه يتشكل بتشكل العملية اللغوية التي لا تنفك تقوم على ثنائية الدال والمدلول [7] ، (( ولعل الإشكال الذي تثيره هذه الثنائية هو جانبها الثاني ) ) [8] .

يدرس المعنى بعلم الدلالة ( SEMANTICS) ، فيعرف به العلماء أنه (( علم دارسة المعنى ) ) [9] . وقليل هو التفريق بين الدلالة والمعنى [10] ، فلم يفرق من الغربيين بينهما سوى جون لا ينز ... ( JOHN LYOS ) [11] ، وكذلك فعل محمد المبارك من المحدثين العرب [12] . ومنهم من يذهب إلى (( أنَّ الدلالة أوسع من المعنى، وبينهما عموم وخصوص، فكل دلالة معنى وليس كل معنى دلالة ) ) [13] .والحق أنَّ العلاقة بين المعنى والدلالة علاقة سببية؛ فان المعنى ينتج عن الدلالة، وهي الطريق الموصلة إليه [14] ، أي أنَّ المعنى مرحلة ما بعد الدلالة في التحليل اللغوي؛ ذلك أنَّ العملية اللغوية (( تتحد وفق شرطين: داخل النص وخارجه: فاما الجانب الأول فيتمثل في أنَّ المعنى لا يحصل إلاَّ في نطاق علاقات سياقية، واما الجانب الثاني فهو أنَّ هذا المعنى لا يصبح دلالة إلاَّ عند ارتباطه بالإحالة ) ) [15] ؛ فالدلالة والمعنى (( طرفان يحيل أحدهما على الآخر ) ) [16] في حركة تقابلية تناغمية بينهما إلى الحد الذي يوهمان انهما يتحدان، وهذه الإحالة وحركة التناغم التي عليها العلاقة بين الدلالة والمعنى تجعل البحث الدلالي عملية ذهنية [17] فضلا

(1) ينظر. المعنى الادبي من الظاهراتية إلى التفكيكية / وليم راي 214.

(2) ينظر. الاصول ـ دراسة ابستيمولوجية للفكر اللغوي عند العرب / د. تمام حسان 313.

(3) دلا ئل الاعجاز / عبد القاهر الجرجاني 318، وينظر. الاسلوبية بين التراث والمعاصرة / مهرجان المربد التاسع، د. محمد كاظم البكاء 10.

(4) ينظر. الاسلوب والاسلوبية / كراهام هاف 24، نظرية البنائية في النقد الأدبي / د. صلاح فضل 478، مفهوم الأسلوب / رولف ساندل/ الثقافة الجنبية / ع 1/ 1982 ص 76 - 78.

(5) اللغة / فندريس 186

(6) ينظر. اللغة / 191، درجة الصفر للكتابة / رولان بارت 13، مبادئ النقد الأدبي / ريتشاردز 346.

(7) ينظر. بنية اللغة الشعرية / جان كوهين 33، أثر اللسانيات في النقد العربي الحديث / توفيق الزيدي 124.

(8) اثر اللسانيات في النقد العربي الحديث 124.

(9) علم الدلالة / جون لا ينز 9، 13، اللغة والمعنى والسياق / جون لا ينز 8، علم الدلالة / بيار غيرو 10.

(10) ينظر. ابن جني وعلم الدلالة (رسالة ماجستير) / نوال زرزور 47.

(11) ينظر. اللغة والمعنى والسياق 62 - 65.

(12) ينظر. فقه اللغة وخصائص العربية 68.

(13) ابن جني وعلم الدلالة 52، والرأي للدكتور أحمد نصيف الجنابي.

(14) ينظر. الاثر الدلالي لحذف الاسم في القرآن الكريم / محمد جعفر (رسالة ماجستير) 8.

(15) اثر اللسانيات في النقد العربي الحديث 124.

(16) بنية اللغة الشعرية 27.

(17) ينظر. فقه اللغة وخصائص العربية 168، منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث / د. علي زوين 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت