والطريق إلى طلب المعنى طويلة، وهي كذلك في دراسة دلالة الألفاظ عموما، غير أنَّها تزداد طولا مع الألفاظ القرآنية، وتكون طولى وعرة عندما تطلب دلالة نفسية فائضة للفظة القرآنية التي يستعملها السياق القرآني استعمالا فنيا رائدا، فيصنع دلالتها عميقة متفردة.
ومما يجعل المسير إلى ذلك أصعب أن لا هادي إليه سوى الذائقة الفنية، والتحليل الدلالي الجمالي، أمَّا المصادر والمراجع، التي كانت بين المعجمات العامة والمعجمات القرآنية وكتب التفسير والدراسات القرآنية الأخر، ومراجع الدرس الدلالي الحديث، فعلى الرغم من أنَّها في اغلب أهدافها تقف عن استكناه الدلالة الثانية، فتكتفي بالدلالة الأولى التي عليها العرف اللغوي، إلاَّ أنَّ البحث وجد فيها ما يمكن توظيفه لمصلحته لاسيما مباحث تعدد دلالة الألفاظ؛ فجاءت هذه الدراسة لتبث صعوبات كثيرة في مسيرة الدرس القرآني، ولتحاول رسم ملامح درب إلى التفرد القرآني جديد من خلال النظر أو الحث على النظر إلى إشراقات اللفظ، والتحرك معه على ضوء من تجلياته المتعددة وفيضه الدلالي الأوسع.
ذل كثير من هذه الصعوبات بالتوجه إلى الله تعالى، والتوجه إلى القرآن الكريم من القرآن ذاته، فكثيرا ما اعتمدت الفروق بين السياقات المستعملة فيها اللفظة محل البحث في استكناه الدلالة النفسية، و أكثر من هذا توظيف طريق الموازنة، والفروق الدلالية بين الألفاظ من أجل الإمساك بما بدا أنَّه دلالة مضافة هنا، أو إشارة هناك، أو معنى إسلوبي هنالك ... . محاولا إخراج ذلك مخرجا يجعله الأقرب إلى الإيحاء، والعرفان، من دون أن تأخذ طريقا مخالفة لطريق الدلالة الأولى، إنَّما كانت إشعاعا مضافا يمتد في خط هذه الدلالة.
وذُللت صعوبات أخر بمعونة من تصدى للإشراف على هذه الاطروحة، فقد كان من حظها أن جاءت بإشراف الدكتور حاكم مالك الزيادي، فاتت ملاحظه وتوجيهاته بخير هذه الاطروحة .. وغاية عملي لذيذ الشكر له ... .، جزاه الله عنى وعن لغة القرآن العظيم خير جزاء المحسنين.
ويغلبني شكر أضعه قبلة على يد أُستاذي أبدًا الأُستاذ الدكتور علي زوين، الذي تلمذت عليه ومازلت فعرفت المنهج وحب الدرس الدلالي، فله مني حب واحترام، فقد عرفته أبًا أُستاذا عالما، وما هذه الاطروحة إلاَّ بعض حبه، وآية عهدي له على مواصلة الدرس اللغوي الحديث الذي أحبه حبين: حب أن أخذته عنه هو، وحب أن جعل بي حاجة إليه دائمة، فلعله يرضى.