والقصْدُ بذكر هذا المقطعِ من القصةِ [1] المتعلِّقِ بموضوعِ الجملةِ المكتفيةِ هذه هو أنَّ النبيَّ يعقوبَ (عليه السلامُ) عَلِمَ بأنَّ ما حلَّ بابنِه (بنيامين) إنما كان بتدبيرٍ غير مقصودٍ من أبنائِه، وأيقنَ أنَّ ابنَه قد وقع في شيءٍ قد دُبِّرَ له من غيرهم، وهو عالمٌ بأنَّ سوءًا لن ينالَ ابنَه بدليلِ دعائِه ورجائه: [عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا] ، إلاَّ أنه لفرْطِ ما به من حزنٍ وألمٍ على فراقِ النبيِّ يوسفَ (عليه السلامُ) وازديادِ ذلك بحجزِ بنيامين، ردَّ على أبنائِه بلسانِ مَنْ يُخبرُ بمصيبتِه ومصيبةِ عيالِه - أيضًا - غيرَ شاكٍ لأحدٍ سوى الله تعالى [إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] [يوسف/86] وغيرَ متبرِّمٍ من واقعٍ مكتوبٍ عليه، فقال: [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ] ولم يُقيِّد أو يُحدِّد أو يوجِّه (الصبر الجميل) لأحدٍ بعينِه، حتى يُقال: إنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديرُه: (شأني) أو (أمري) [2] . بل أخبرَ به - عمومًا - واقتصَر عليه واكتفَى به، فقامت عليه الجملةُ، وهو يريدُ - واللهُ أعلم - هذا الصبرَ له ولعيالِه ولابنيه يوسف (عليه السلامُ) ، وبنيامين، ولثالثٍ معهم يخُصُّه اسمُه روبيل [3] ، ولمَنْ يتألَّمُ لألمِه ولكلِّ من علِم بحُزنِه فدعا له. ومِما يدلُّ على هذا المعنى، وعدمِ إرادتِه (الصبر الجميل) لنفسِه حصرًا وتقييدًا قولُه لبنيه - بعد هذه الحادثة: [اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ] [يوسف/87] ، وقولُ النبيِّ يوسفَ (عليه السلامُ) لَهم بعدما ذهبوا إليه وعرفوه: [لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] [يوسف/92] . فكلُّ هذا يَمنعُ من زعْمِ محذوفٍ يُجعَل مبتدأً لِهذا الخبر، فقد (( عزَّى [النبيُّ يعقوبُ(عليه السلامُ) ] نفسَه، وقال: ما هو إلاَّ الصبر )) [4] ، وهذه دَلالةُ الرفع.
ومن هذا الضربِ من الاكتفاء قولُه تعالى: [وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ] [القارعة/11] وقولُه تعالى: [قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّارُ] [الحج/72] ، وقولُه تعالى:[مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ
(1) وجدتُ أنَّ إيراد هذا الحدث من القصة، وحال (بنيامين) وما دُبِّر له مِما يُفيد في بيان دلالة قوله تعالى على لسان النبيِّ يعقوب (عليه السلامُ) : [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ] [يوسف/83] .
(2) ينظر: مشكل إعراب القرآن 382:1. وهمع الهوامع 103:1.
(3) ينظر: الكشاف 489:2.
(4) معاني القرآن، الفراء 53:2.