يُقابلُ (ماذا) ، ويحُلَّ محلها. فجوابُهم غريبٌ مستأنَفٌ، وهذا يُوجبُ عدَمَ زَعْم محذوفٍ يقعُ مبتدأً لهذا الخبرِ، تقديرُه (هو) كما قُدِّر [1] ، أو ما شاكلَ، لأنَّ هذا التقديرَ يُوحي بالكنايةِ عن شيءٍ مُنزَلٍ أصلًا، أو يشيرُ إلى حَدَثٍ وقعَ يعودُ على هذا الشيءِ المُنزَلِ، وقد وُصِف بأنه أساطيرُ الأولين، هذا من جهة.
ومن جهةٍ أُخرى فإنَّ هذا الجوابَ يَجِبُ - لِما مرَّ- أنْ يكونَ على غير مقتضَى السؤالِ، لذا عبَّر المجيبون بشيءٍ مُطلَقٍ لم يريدوا سواه، وكأني بهم قد حسَموا الأمرَ بما لا يَترُكُ مجالًا للجدالِ أو المناقشةِ، أو المطارحةِ. فقولُهم: (أساطيرُ الأولين) يدُلُّ على عدم استعدادِهم أصلًا لأنْ يُؤمنوا بمُنْزِلٍ ولا بإنزالٍ أو تنزيلٍ، ولا بمُنزَلٍ، واللهُ أعلم بمراده.
ومن الجملِ المكتفيةِ بالخبر المقتصَرَةِ عليه قولُه تعالى: [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ] [2] من الآية الكريمة [قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ] [يوسف/83] .
قال الزمخشريُّ: (( [قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا] أردتموه، وإلاَّ فما أدرى ذلك الرجلَ - [وهو المؤذِّنُ الذي نادى: [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ] ]- أنَّ السارقَ يُؤخذُ بسرقتِه لولا فتواكُم وتعليمُكم ) ) [3] . أي: إنَّ أولاد النبيِّ يعقوب (عليه السلامُ) بقولِهم: [جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ] [يوسف/74] قد بيَّنوا لهذا المؤذِّنِ الذي نادَى بفقدانِ صُواعِ الملك واستفتاهم بقولِه: [فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ] [يوسف/74] ، بيَّنوا له أنَّ (( جزاءَ سرقتِه أخْذُ مَنْ وُجِدَ في رحلِه. وكان حُكمُ السارقِ في آلِ يعقوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سنةً، فلذلك استفتَوا في جزائِه [أي: بنَوه على الفتوَى] . وقولُهم: [فَهُوَ جَزَاؤُهُ] تقريرٌ للحكم، فأخْذُ السارق نفسِه وهو جزاؤُه لا غير ) ) [4] .
(1) ينظر: همع الهوامع 103:1.
(2) وقيل: هو مبتدأ خبرُه محذوفٌ تقديره: (أمثل) . ينظر: البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن، كمال الدين الزملكاني، تح: د. خديجة الحديثي ود. أحمد مطلوب 241. وهمع الهوامع 103:1.
(3) الكشاف 489:2.
(4) نفسه 485:2.