يُمكن أنْ يقعَ في إطار التفضيلِ أبدًا، لأنه لا يفضُلُ عليه شيءٌ - من الأماكن والأحوال - مطلقًا. فأيُّ سعادةٍ أبديةٍ تُضاهي وتفضُلُ [جَنَّة الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا، لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ ... ] [الفرقان/15] . ولأجلِ هذه الدلالةِ - واللهُ أعلم - لم يَرِد لِهذا المبتدأ خبرٌ فاكتفت الجملةُ بالمبتدأ وحدَه، واقتصرَت عليه. ولوِ التزمنا القولَ بـ (الحذف والتقدير) فزعمنا أنَّ ثمة خبرًا محذوفًا - هنا - تقديرُه (خيرٌ) ، أي: (أم جنةُ الخلد خيرٌ) لقطعنا بوقوعِ التفضيل على (جنة الخلد) التي قَطَع النصُّ بأفضليتِها، وسموِّها على ما سواها من الأماكن والأحوال، واللهُ أعلم بمراده.
وهذا غيضٌ من فيض النصِّ القرآنيِّ الزاخر بمثل هذا الاكتفاء بالمبتدأ، بيَّنتُ فيما سبق أنه ليس في طوقي سردُه كلِّه، وجلاءُ مخفيِّه، وسبْرُ غورِه بالعرض والتحليل، فهذا مِما لا طاقةَ لي به.
2 -الجملة المكتفية بالخبر:
ومنها قولُه تعالى: [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] [النحل/24] ، وهؤلاءِ المسؤولون هُمُ [الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ] [النحل/22] .
لقد ذكرْتُ - فيما مرَّ - أنَّ بلاغةَ الجواب وروعةَ دلالتِه إنما تكونُ فيه إذا كان مطابقًا للسؤال، أو إذا ورد على مقتضى السؤالِ دونما زيادةٍ أو تكريرٍ لغير معنى مقصودٍ لذاتِه [1] . فإذا كان الجوابُ غيرَ مطابقٍ للسؤال، وورد على هيئةٍ لا تقتصِرُ على ما يقتضيه السؤالُ، فإنَّ هذا الجوابَ يخلو تماما من أيةِ بلاغةٍ أو دلالةٍ بليغةٍ فيه، فيَعْدِلُ الجوابُ الزائدُ بمراد النص.
ففي النصِّ الكريم يقولُ السائلُ للذين كفروا: [مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ] ، ووقوعُ السؤال بـ (ماذا) يقتضي أنْ يأتيَ في الجوابِ ما يَحُلُّ محلها، أي: محلَّ اسم السؤال نفسِه، أو اسم الاستفهام المسؤولِ به وهو (ماذا) [2] ، وهو مفعولٌ به مقدَّمٌ على فعلِه (أنزلَ) وفاعلِه (ربُّكم) ، والمسؤولُ عنه المجهولُ هو (ماذا) فقط. لذا تكونُ مطابقةُ الجوابِ لهذا السؤالِ بإيرادِ اسمٍ منصوبٍ يُبيِّنُ المرادَ بـ (ماذا) . فلما جاء الجوابُ بكلمةٍ مرفوعةٍ هي [أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] عُلِمَ أَنَّ هؤلاءِ المجيبين لم يؤمنوا - أصلًا واعتقادًا - بإنزالٍ حدَثَ، ولا بربٍّ مُنزِلٍ. فلا باعثَ عندهم لأنْ يُشيروا إلى شيءٍ مُنزَلٍ. لذا لم يضعوا في جوابِهم ما
(1) ينظر: الصحف (42 - 43) و (55) من هذا البحث.
(2) ينظر: مشكل إعراب القرآن 417 - 418.