إنَّ الاكتفاءَ في هذه الجملةِ بكلمةِ (رسولُه) - فالمضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة - أي: الاكتفاءَ بالمبتدأ دونما حاجةٍ إلى خبرٍ يُذكرُ أو يُقدَّرُ له، فيه من الدلالاتِ السامية ما يُبيِّنُ من منزلةِ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الله تعالى، فقد وحَّد براءتَه (صلى الله عليه وآله وسلم) من المشركين مع براءتِه تعالى، وقد سبقتِ الإشارةُ إلى هذا التوحُّدِ في مطلعِ السورة - كما ذكرتُ - وبعدَ عِلْمِ السامع والقارئِ بهذه المنزلةِ في التقريب لم يَعُد ثمة داعٍ إلى أنْ يُمَيَّزَ في البراءة من المشركين بينَ الله سبحانه وتعالى وبينَ رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فذِكْرُهما مُتَّحِدَين بصورة الاكتفاء هذه فيه بيانٌ جليٌّ لإعلاءِ شأنِ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد تحصَّل لك أيها القارئُ والسامعُ مسبقًا هذا التوحُّدُ، فما الداعي إلى التمييز فيه وتفريقه بحجةِ زَعْم محذوفٍ يجبُ تقديرُه [1] ؟!
ومن الجملِ المكتفيةِ بالمبتدأ المقتصَرَةِ عليه قولُه تعالى: [قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ] [الفرقان/15] ، فقدِ اقتَصَرتِ الجملةُ المكتفيةُ فيه على (جنة الخلد) ، وهي جملةٌ قائمةٌ على كلمةٍ واحدةٍ مؤلفةٍ من المضاف والمضاف إليه، وهو المبتدأ فقط، دونما حاجةٍ إلى خبرٍ مزعومٍ تقديرُه (خيرٌ) .
إنَّ اسمَ الإشارةِ (ذلك) يعودُ على جهنم، وحالِ الكافرين فيها، فقد سبق ذِكْرُ ذلك في قولِه تعالى: [بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا، إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا، لاَ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا] [الفرقان/11 - 14] ، ثمَّ أُشيرَ إلى هذا الأمرِ مع إمكانيةِ التفضيل عليه بقولِه تعالى: [قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ] . فكلمةُ (خيرٌ) وهي خبرُ المبتدأ (ذلك) إنما وردت لتدلَّ على وقوع التفضيل على المشارِ إليه بـ (ذلك) وهو ما مرَّ ذكْرُه من جهنَّمَ، وأهوالها، وأحوالِ أهلها، فلما جاء المبتدأُ الآخرُ المسؤولُ عنه مع (همزة) الاستفهام بـ (أم) المتصلةِ - ليُفيدا معًا التعيينَ - وهو (جنةُ الخُلْدِ) قُطِع بأنَّ هذا المبتدأ لا
(1) أما المعنى الآخر لـ (أنَّ) فهو (لعلَّ) وهو قليلٌ نادرٌ. ينظر: الجنى الداني 417. وينظر مصدره: الكتاب1: 462 - 463. وينظر في معنيَي (أَنَّ) هذين: خلاصة مغني اللبيب محمد حسين الإمامي 14 - 15. وقد ذكرتُ هذا المعنى لـ (أَنَّ) هنا إتماما للحديث، على الرغم من عدم صلته لا من قريب ولا من بعيد بالنص موضوع التحليل.