ففي هذا التقديرِ عُدُولٌ بالنصِّ إلى غير دلالتِه التي يُمكن استنباطُ شيءٍ منها بجلاءٍ مِما هو عليه بصورةِ الاكتفاء، لأمورٍ منها:
أ) هذا النصُّ ورد في الآيةِ الثالثةِ من سورة التوبة، التي بدأت آيتُها الأُولى بقولِه تعالى: [بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ] [التوبة/1] ، وقد انتهت هذه الآيةُ إلى الإخبارِ بأَنَّ براءَةَ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) هي براءةُ اللهِ تعالى عينُها من المشركين، بدليل قولِه تعالى: [بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ] ، ولم يقُل: (وبراءةٌ من رسوله) ، واللهُ تعالى أعلم، وهذا دليلٌ واضحٌ على وحدةِ البراءةِ. أما لو كانت مكررةً - كما فيما لم يُقَلْ في النصِّ الكريم - لكان في هذا التكرير اختلافُ معنى وتجدُّدُ دلالةٍ.
ب) إِنَّ في إعادةِ النكرة بلفظِها دلالةٌ على أنها غيرُ النكرة الأُولى. قال ابنُ خالويه في حديثِه عن قولِه تعالى: [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا] [الانشراح/5 - 6] : (( قال ابنُ عباس:(لا يغلِبُ يُسرَين عسرٌ واحدٌ) ، تفسيرُ ذلك أنَّ في (ألم نشرحْ) عسرًا واحدًا ويُسرَين، وإنْ كان مكررًا في اللفظِ، لأنَّ العسرَ الثاني هو العسرُ الأول، واليُسر الثاني غيرُ الأول، لأنه نكرةٌ، والنكرةُ إذا أُعيدت أُعيدت بـ (ألف ولام) ، كقولك: (جاءني رجلٌ فأكرمتُ الرجلَ) ، فلما ذُكر اليُسرُ مرتين، ولم يُدخِل في الثاني (ألفًا ولامًا) عُلِمَ أَنَّ الثاني غيرُ الأول )) [1] .
فلو كان النصُّ - كما زُعِم خارجَ القرآن - هو (أَنَّ اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولُه بريءٌ) لأفاد هذا النصُّ - بهذا النظم ِ- دلالةً مباينةً لمعنى [بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ] خلاصتُها أنَّ براءةَ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي غيرُ براءةِ الله تعالى، واختلافهما في موردٍ واحدٍ وهو (من المشركين) . وفي هذا التوجيهِ عُدُولٌ عن المعنى الأول المتجلِّي من قولِه تعالى: [بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ] ، واللهُ أعلم.
(1) إعراب ثلاثين سورة 127.
جاء في مجمع البيان للطبرسي: (( عن الحسن(عليه السلامُ) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يومًا مسرورًا فرِحًا، وهو يضحك ويقول: (لن يغلب عسرٌ يسرَين، فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا) 509:10. وينظر في هذا الحديث ودلالة تكرير النكرة: مرآة الرشاد، الشيخ المامقاني 61.