أما كونُه حرفَ عطْفٍ فيقتضي أنْ يعطِفَ كلمةَ (رسول) على لفظِ الجلالة (الله) الواقع اسمًا لـ (أَنَّ) المفتوحةِ الهمزة، والمعطوفُ يُطابقُ ويُشاركُ المعطوفَ عليه في الإعراب، ولو صِيغَ هذا النصُّ بالنظم نفسِه خارجَ القرآن الكريم لقيلَ: (أَنَّ الله بريءٌ من المشركين ورسولَه) بنصب كلمةِ (رسول) لأنَّها معطوفةٌ على منصوبٍ، إلاَّ أنها في العبارة القرآنية جاءت مرفوعةً بالضمة، وهذا ما جعل المعرِبين يذهبون إلى أنه معطوفٌ على محَلِّ (أَنَّ) واسمِها، فمحلُّهما الابتداء، والابتداءُ رفْعٌ أبدًا، أو على محلِّ اسم (أَنَّ) قبل دخولها عليه [1] .
والأرجحُ أنَّ هذا التوجيهَ والتخريجَ مردودٌ، لكونِ (أَنَّ) المفتوحةُ المشددةُ تأتي على وجهَين:
الأول: (( أنْ تكونَ حرْفَ توكيدٍ، تنصب الاسمَ، وترفعُ الخبرَ ... و [هي] من الأحرف المصدريات ... واختُلِف في المفتوحةِ الهمزةِ، فقيلَ: هي فرْعُ المكسورة ... [وقيل: هي غير المكسورة لأسبابٍ منها:] أنَّ الكلامَ مع المكسورة جملةٌ غيرُ مؤولةٌ بمفردٍ، بخلافِ المفتوحة ... [و] أنَّ المكسورةَ تُفيدُ معنى واحدًا وهو التوكيد، والمفتوحة تُفيدُه وتُعلِّقُ ما بعدها بما قبلها ... ) ) [2] . وهذا هو معنى (أَنَّ) التي في الآية موضوع العرض والتحليل، واللهُ أعلم.
وبما أنَّها تُباينُ (إِنَّ) المكسورةَ الهمزة في أنها لا تَرِدُ للابتداء مطلقًا، لأنها متعلِّقةٌ بما قبلها دائمًا، فهي متعلِّقةٌ بـ [أَذَانٌ] لأنها إما خبرٌ عنه، إذا لَم يُعدَّ [مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ] خبرًا له، وإما بدلٌ من [أَذَانٌ] إذا عُدَّ [مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ] خبرًا للمبتدأ [أَذَانٌ] . فهي - إذًا - ليست للابتداء. وعلى الرغمِ من كونِها في مَحلِّ رفعٍ - لِما مرَّ - فإنه لا يُقبلُ القولُ بأنَّ كلمةَ (رسول) معطوفةٌ على موضعِ (أنَّ واسمِها) . فـ (أنَّ) أداةٌ أفادت توكيدَ نسبةِ خبرِها لاسمِها المنصوب، ولا رفعَ فيهما، ولو مَحلاًّ. كما لا يُقبلُ القولُ بأنها معطوفةٌ على مَحلِّ اسمِ (أنَّ) ، فهذا ليس بكلام.
وأما كونُه حرفَ استئنافٍ فإنه يقتضي أنْ يكونَ ما بعده جملةً مستَأنَفَةً مستقلَّةً - إعرابًا، لا معنى - عمَّا قبلها، لذا فكلمةُ (رسول) مبتدأٌ. وهذه الكلمةُ هي جملةٌ مكتفيةٌ مقتصَرَةٌ مرتبطةٌ بسياقِها لا يحتاجُ المبتدأُ فيها إلى خبرٍ ظاهرٍ، ولا مقدَّرٍ كما يُزعَمُ. وليس بصحيحٍ تقديرُ المُعربين خبرًا له هو (بريءٌ) ،
(1) ينظر: مشكل إعراب القرآن 323:1.
(2) الجنى الداني 402 - 404.