الصفحة 89 من 197

وليت شعري لماذا تُسمَّى هذه الجملُ بـ (الشاذة) ، فهي ليست بِدْعًا من الأساليب اللغويةِ العربية الخاصةِ، ولا هي من الندرةِ في الصياغةِ بمكان كي تُسمى (شاذةً) . فأسلوبُ النداء واسعُ الدوران في العربية، وقد استُعملت هذه الجملُ يومَ لم تكُن ثمة قاعدةٌ نحويةٌ. فليستِ القاعدةُ التنظيريةُ هي الأُولى ثم خولِفت بهذه الجملِ، كي تُسمَّى (شاذةً) ، كما يرى الدكتور شوقي ضيف، ومعلومٌ أنَّ (الشاذَّ) هو ما انفردَ وندرَ وخالفَ غيره، أو خرج عن المألوف المقبول [1] .

وكذلك مصطلح (شبه الجملة) ، فإنه على ضعفِه وإطلاقِه بِهَدْي فكرةِ العامل، قد وقر في الأذهان أنه للظرف، والجارِّ والمجرور بخاصَّةٍ، وهو - كما ذكرْتُ - على ما فيه من إشكالٍ وجدَلٍ في التسمية [2] لا يُطلقُ على سوى الظرف وقسيمِه. فكيف نأخذُ به - وهو بعيدٌ كلَّ البعدِ عن دلالةِ الجمل المكتفية أو المقتصَرَة - لنجعلَ من عبارة (دعاؤُكم) في قولِه تعالى: [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ] [الفرقان/77] شبهَ جملةٍ مرفوعةٍ - كما يرى الدكتور ضيف - بحجةِ أننا لا يُمكن أن (( نُعربَ(دعاؤُكم) مبتدأً مرفوعًا والخبر محذوفٌ، والتقدير (موجودٌ) - كما يقول النحاة - لأنَّ هذا يعودُ بنا إلى التقدير والتأويل، وإنما نكتفي في ذلك بأنْ نقولَ: (دعاؤُكم) شبهُ جملةٍ مرفوعة )) [3] .

والأرجحُ - عندي - أنَّ عبارةَ (دعاؤُكم) غير مستقلةٍ بنفسِها، بل إنَّ دلالتَها مرتبطةٌ بسياقِها الذي وردت فيه، وأجلى ما يُفهم من دلالاتِ النصِّ الكريم: أنَّ دعاءَ الخلق ذو شأنٍ وأثرٍ عند الله تعالى وعليه تترتبُ رحمةٌ إلهيةٌ بالغةٌ، وبه تكونُ المغفرةُ وقضاءُ الحوائج والإجابةُ في الضيق والرخاء. دونما حاجةٍ إلى تقييد هذه الدلالةِ المطلقةِ بكلمةِ (موجودٌ) المزعومة، فهذه جملةٌ لا إسناد فيها لأنها جملةٌ مكتفيةٌ مقتصَرَةٌ على المبتدأ فقط من غير حاجةٍ إلى خبرٍ عنه، لأنَّ في ذكْرِ خبرٍ له، أو في تقديره التزامٌ بمنطق يُحَجِّمُ من الدلالةِ، ويَعدِلُ بالنصِّ إلى ما تضيقُ به دائرةُ التعبير به، فإنَّ (( بعضَ الأسماء التي يُؤتَى بها في حالةِ الإسناد تكون مشحونةً بالمعنى والإيحاء، بحيث لا تحتاجُ إلى ما يوضِّحُها أو يُسندُ إليها ) ) [4] .

إنَّ اكتفاءَ النصِّ بـ (دعاؤُكم) واقتصار الجملةِ عليه له دلالاتٌ خاصةٌ، إلاَّ أنه لو نُظِر إليه في ضوء القول بـ (الحذف والتقدير) لأدَّى هذا الأمرُ إلى (( تضييعٍ لفنيةِ الأسلوب لا يُغتفَرُ فيه التذرُّعُ بالتزامِ

(1) ينظر: مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر الرازي 332 - 333.

(2) ينظر: في نحو اللغة وتراكيبها 129 - 134.

(3) الرد على النحاة 67. (مقدمة المحقق) .

(4) نحو القرآن 25. وينظر: جهود الدكتور الجواري، د. نعمة رحيم العزاوي 104 - 109 (بحث منشور في مجلة الضاد، ج2، لسنة1409هـ/1989م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت