الصفحة 88 من 197

من نظم. وإنه لمن الجليِّ أنَّ تسميتَها بـ (المكتفيةِ أو المقتصَرَةِ) تُلائمُ ما تنطوي عليه هذه الدلالات المفهومة في حدود ما عليه هذه الجملةُ من لفظٍ أو ألفاظ، في حدود ما هو واقعٌ فعلًا من المتكلم، مِما يَزيدُ في اتساع الدلالةِ واكتنافِها ما يُمكن اكتنافُه مِما لا حدَّ فيه ولا تضييقَ له، لا في ضوء التخمينِ والحدْسِ والظنِّ الناقص وادِّعاءِ العلم الغيبيِّ بما نواه المتكلم ولم يُظهرْه من ألفاظٍ اعتمادًا على المنهج المنطقي المزعوم لأجزاء الجملة بما يُضيِّق من دائرة دلالةِ العبارة ومعانيها الباطنية.

لذا لا أجدُ أنه من الدقة بمكان تسميةُ هذه الجمل وأمثالها بـ (الناقصة) كما يرى الأستاذ برجستراسر [1] ، والأستاذ ابراهيم مصطفى في حديثه عن تركيب النداء وبعض المصادر المنصوبةِ، إذ قال: (( والذي عوَّص الأمرَ على النحاة ما قرَّروه من أنَّ كلَّ جملةٍ يجبُ أنْ تشتملَ مبتدأً وخبرًا، أو فعلًا وفاعلًا، ولم يعرفوا الجملةَ الناقصةَ، ويرَونَها في النداء، مثلُ:(يا محمدُ) ... فيقدِّرون: (أدعو محمدًا) ... ولا وجهَ لهذا التقدير. وكذلك: (تحيةً، وسلامًا، وصبرًا، وشكرًا) يقدِّرون الفعلَ لإعراب الاسمِ المذكور، ولا وجهَ له، وإنما هي جملٌ ناقصة )) [2] .

إنَّ تسميةَ أسلوب النداء، أو الجملة المكتفية بالمصادر المنصوبة - كما في أمثلةِ الأستاذ ابراهيم مصطفى - ووصفَ ذلك بـ (الجملة الناقصة) يُوحي بنقصِ الكلام في ذاتِه، وأنه نقْصٌ يستدعي مكمِّلًا لأنه بهذه التسميةِ لا يكونُ كلامًا مكتفيًا بنفسِه، مقتصَرًا على ما هو قائمٌ عليه، على الرغم من دلالتِه التامةِ واستقلاليتِه عن القول بـ (التقدير) وزعم (محذوفٍ) منه. لذا فتسميةُ هذه الجملةِ بـ (الناقصة) تصبُّ في جانب التزام القول بـ (الحذف والتقدير) ، فـ (الناقص) يعني أنه (محتاجٌ) و (التقدير) يعني تكميل هذا (الناقص) .

وليس من المقبول بمكان - أيضًا - تسميةُ هذه الجمل وأشباهِها بـ (الصيغ الشاذة) ، أو (أشباه الجمل) كما يرى الدكتور شوقي ضيف، فقد ذهب في رفضِه القولَ بـ (الحذف والتقدير) إلى أنه (( من الواجب أنْ تُضَمَّ هذه الصيغُ بعضُها إلى بعضٍ، ويُفردَ لها بابٌ خاصٌّ نسميه باب(الصيغ الشاذة) ، أو نسميه باب (شبه الجملة) ، وهو اصطلاحٌ كان يُطلقُه النحاة على الظرف والجارِّ والمجرور ليدلُّوا به على أنَّ جملتَها ناقصة )) [3] .

(1) ينظر: التطور النحوي125.

(2) إحياء النحو142. وهذه صورة من لابدية الأجزاء المكونة للجملة. وسيأتي بيانُها أكثر، إن شاء الله، في الفصل الثالث من هذا البحث.

(3) الرد على النحاة 66. (مقدمة المحقق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت