الصفحة 87 من 197

ولعل مذهبَه في قيام الجملةِ على كلمةٍ واحدةٍ مستندٌ إلى رأي ابنِ جني - المارِّ ذكْرُه - إذ لا يكادُ يُباينُه في الشكل والمضمون، فهو يرى أنَّ (( الجملةَ تقبلُ بمرونتها أداءَ أكثرِ العباراتِ تنوُّعًا، فهي عنصرٌ مطّاطٌ، وبعضُ الجمل يتكونُ من كلمةٍ واحدةٍ، يُقالُ:(تعالَ، صَهْ، لا، السيارةَ، إياكَ) ، وكلُّ واحدةٍ من هذه الكلمات تؤدي معنى كاملًا بنفسِه )) [1] .

فاسمُ الفعل (تعالَ) يفيدُ طلبَ الإقبال، وهو كلامٌ لا يحتاجُ إلى سياقٍ يكتنفُه، ولا إلى سوابقَ أو لواحقَ تُبيِّنُ دلالتَه، ولا إلى تقديرِ ضميرٍ مستترٍ فيه برؤيةٍ حركيةٍ قاصرةٍ مؤصَدةٍ. وكذلك (نعم) و (لا) في الجواب، فكلٌّ منهما تنطوي على دلالةٍ مستقلةٍ، معتمدةٌ على كلامٍ سابقٍ حاملةٌ لفكرةٍ كاملةٍ تكونُ ردًّا عليه.

وكذلك (السيارةَ) في التحذير، فهي جملةٌ مكتفيةٌ مقتصَرَةٌ تحمِلُ فكرةً تامةً مستقلةً يُرادُ بها تنبيهُ شخصٍ إلى أنَّ سيارةً مقبلةً نحوَه، وأنه معرَّضٌ لخطر دَعْسِها إياه فيما لو لم يتدارك نفسَه ويبتعد عنها. والعِبرةُ باكتفاء الجملةِ واقتصارها على كلمةِ (السيارةَ) فقط ليست بضيق الوقت والتنبيهِ على تقاصر الزمان فيما لو ذُكِرَ فِعْلُ التحذير المزعوم وهو (احذرْ) أو (تنبَّهْ) - مثلًا - كما يُقالُ ويُظنُّ [2] ، بل العِبرةُ فيه إنما تكونُ بالحديث عن الفكرةِ الرئيسةِ، ولفْتِ النظر إلى الأهم في الحدث كلِّه، والإشارةِ إلى أنَّ المحذِّرَ نفسَه - وهو المتكلم - لا يعنيه من الأمر شيءٌ أهمُّ من الخطر نفسِه الذي قد يُواجهُ المحذَّرَ أو يتسببُ بأذاه.

هذه - وما شابهها - كلها جملٌ مقتصَرَةٌ، ولا أرى أنه من القبول بمكان أنْ يُقالَ: إنها جملٌ ناقصةٌ أو غير مستوفيةٌ لما يدلُّ على فكرتها التي سيقت لأجلها. كما أنه ليس من المقبول بمكان أيضًا أنْ يُقالَ: إنها بحاجةٍ إلى تقديرٍ وزعْمٍ وتأويلٍ في ضوء (لابديةِ الأجزاء أو الأركان) المزعومةِ في الجملة العربية، يؤدِّي إلى ردِّ كلِّ تركيبٍ إلى أصلٍ مزعومٍ التزامُه وتقنينُه، مفادُه أنَّ ما في العربية من تراكيبَ وتعابيرَ ما هو إلاَّ من قبيل الجملةِ الاسمية، أو من قبيل الجملة الفعلية، فيجبُ رَدُّ كلِّ تركيبٍ وتعبيرٍ إلى أحد هذين القبيلين بوساطة القول بـ (الحذف) والتزامِ (التقدير) المزعوم.

لقد سبق القولُ بأنَّ قيامَ الجملةِ على كلمةٍ واحدةٍ، أو أكثر، وهي الجملةُ المكتفيةُ المقتصَرَةُ دونما قيامها على عناصرِ الجملةِ الكاملةِ، أو المستوفية لأجزائها اللازمةِ فيها هي بخاصَّةٍ، فيه من المعاني الإيحائية غير المقيدة، والدلالات الظلالية الواسعة، والاستنباطات الباطنية ما ليس في غيرها

(1) اللغة101. وقال بهذا الرأي نفسِه الدكتور خليل أحمد عمايرة في كتابه: في نحو اللغة وتراكيبها77 - 78.

(2) ينظر: الصحيفتان (47 - 48) من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت