فيما مرَّ أشرتُ إلى أنَّ ابنَ جني ذهب إلى أنَّ كلاًّ من الكلام والجملةِ مصطلَحٌ واحدٌ، فهما مترادفان [1] ، وفي ضوء هذا المذهبِ نبَّه ابنُ جني على أنَّ من الجمل والتراكيب والتعابير في العربية ما يأتي مستقلاًّ بنفسِه قائمًا على كلمةٍ واحدةٍ، وقولي: (من الجمل) إنما عَنيتُ به ما رأيتُه (جملةً مكتفيةً أو مقتصَرَةً) ، فهي تُرادفُ الكلامَ عند ابن جني، إذ قال: (( أما الكلامُ فكلُّ لفظٍ مستقلٍّ بنفسِه مفيدٍ لمعناهُ، وهو الذي يسمِّيه النحويون(الجملَ) ، نحوُ: (زيدٌ أخوك) ، و (قام محمدٌ) ، و (ضُرِبَ سعيدٌ) و (في الدار زيدٌ) ، و (صَه) ، و (مَه) ، و (رُويد) ، و (حاءِ) ، و (عاءِ) في الأصوات، و (حَسْ) ، و (لب) و (أُف) ، و (أوه) . فكلُّ لفظٍ استقلَّ بنفسِه، وجُنيت ثمرةُ معناه فهو كلامٌ )) [2] .
فمثلًا إنَّ (صَه) اسمُ فعلٍ طلبيٍّ، معناه (اسكتْ) ، وهو كلامٌ بنفسِه، أو هو جملةٌ عند ابن جني أو جملةٌ مكتفيةٌ مقتصَرَةٌ، لأنها تؤدي فكرةً تامةً مستقلةً، فلو أنَّ شخصًا أسهب في حديثِه حتى صار ذا تأثيرٍ سلبيٍّ على السامعين، فإننا لا نطمعُ منه بسكوتٍ وصمتٍ إلاَّ إذا زجرناه وطلبنا منه الكفَّ والصمتَ. ومن صور هذا الزجر والطلب قولُنا: (صَهْ) ، عندها سيسكتُ لأنه أدرك المعنى المطلوبَ منه وبما أنه مخاطَبٌ حاضرٌ مفردٌ مذكَّرٌ - كما في مثالِنا هذا - فإنه من اللغو والزيادة والحشو واللزوم المنطقي أنْ يُقالَ: إنَّ فيه ضميرًا مستترًا هو فاعلُه، تقديره (أنت) ، فهذا مِما لا ثمرةَ فيه [3] ، وهو بالفهمِ الحركيِّ - القائم على فكرةِ العمل - لألفاظ الجملة العربية ألصقُ منه بسمت اللغة وروعةِ طُرُق التعبير فيها واتساع تراكيبها للمعاني وشحن الدلالات غير المقيدة فيها.
فإذا كان المخاطَبُ المطلوبُ منه السكوتُ ليس مفردًا مذكرًا، فسيؤتَى باللواحقِ التي تُخصِّصُ المأمورَ بالسكوتِ وتُبيِّنُه نحوُ: (اسكتي) ، و (اسكتا) ، و (اسكتوا) ، و (اسكتنَ) بالنسبة إلى الفعلِ وسيؤتَى بِما يُشيرُ إلى المأمور - صراحةً - نحوُ: (صه يا هندُ) ، و (صه يا زيدان) ، و (صه يا بناتُ) ، فيما لو احتاج السامعُ إلى ذلك بالنسبة إلى اسم الفعل، فهو يُلازمُ حالةً واحدة.
3 -فندريس:
(1) ينظر: الصحيفتان (68 - 69) من هذا البحث.
(2) الخصائص15:1.
(3) ينظر في رفض القول بتقدير ضمائر مستترة في الأفعال وما شابهها: الرد على النحاة100 - 107. وفي حركة تجديد النحو وتيسيره، د. نعمة رحيم العزاوي77 - 78. وفي الكتاب اللغوي المدرسي، د. نعمة رحيم العزاوي81 (بحث منشور في مجلة الضاد، ج4، لسنة1410هـ/1990م) . والصحف (108 - 110) من هذا البحث.