مِما مرَّ نستنتجُ أنَّ الجملةَ المكتفيةَ (المقتصَرَةَ) تقعُ على قسمَين رئيسَين، هما:
القسم الأول / ما استقل بنفسه وانفرد بوضعه:
وهذا القِسْمُ لا يحتاج إلى سياقٍ، ولا إلى سوابقَ ولواحقَ من كلامٍ يكتنفُه، أو عباراتٍ تَلزمُه، بل يُدرِك السامعُ أو القارئُ منه فكرةً مستقلَّةً تامةً أوَّل الأمر. وقد قال بهذا الاستقلالِ، أي: استقلالية الكلمةِ الواحدة بدلالتِها على فكرةٍ تامةٍ مفيدةٍ طائفةٌ من علماء العربية ودارسيها، منهم على سبيل المثال لا الحصر:
1 -الفرّاء:
في رؤيتِه للاكتفاء - المارِّ ذِكْرُها [1] - في قولِه تعالى: [وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا] [هود/41] قال: (( إنْ شئتَ جعلْتَ(مجراها ومرساها) في موضع رفعٍ بـ (الباء) ، كما تقول: إجراؤُها وإرساؤُها بسم الله وبأمر الله، وإنْ شئتَ جعلتَ (بسم الله) ابتداءً مكتفيًا بنفسِه كقولِ القائل عند الذبيحة، أو عند ابتداءِ المأكل وشبهِه: (بسم الله ) )) [2] .
ففي التركيب (بسم الله) - وهو جملةٌ مكتفيةٌ أو جملةٌ مقتصَرَةٌ - من الدلالاتِ ما يُشيرُ إلى إدراكِ المعنى والفكرةِ التامةِ المستقلةِ التي لو لُخِّصت بأبسطِ صورها لأفادتِ الاستعانةَ المطلقةَ باللهِ قبلَ الشروعِ بالعمل - أيًّا كان - وما تحمِلُه هذه الاستعانةُ من صورِ تذلُّلِ الإنسان وحاجتِه المطلقةِ إلى ربه لأنه الغني المحتاجُ إليه، ومن صور الإقرار بوحدانية الله، فلو كان ثمة مستعانٌ به آخرُ وغنيٌّ يُحتاجُ إليه غير الله سبحانه وتعالى لاستُعينَ به ولَرُجِيَت الطلبةُ عنده.
2 -ابن جني:
(1) ينظر: الصحيفة (71) من هذا البحث.
(2) معاني القرآن14:2.